بكت المملكة العربية السعودية، من أقصاها إلى أقصاها، دماً، بفراق قامة شامخة، ونبراس سياسة، وعميد ديبلوماسية، ومواطن مخلص، قدّم كل ما يملك لخدمة دينه ووطنه.
حمل ألقاباً عديدة، لم تأتِ بمحض الصدفة، ولم تكن هدايا توزع، ولا عطايا تجمع، ولا هبات توهب، ولا أموالا تكسب، حملها بجهده، ومثابرته، وفكره، وذكائه، ودهائه، وكياسته، وإخلاصه، وصبره، ومواصلته العطاء لأربعة عقود.
قدّم كثيراً وكثيراً لدينه ووطنه وأمته، وضع البلد في مكانة مرموقة خارجياً، عمل من أجل السلم والسلام العالميين، نفّذ سياسة «المملكة» بكل جدارة واقتدار، أمانة حملها من ملوك أربعة، لم «يهتز» رأسه، ولا كتفه من حملها، على الرغم من الظروف، التي مرّ بها العالم في تلك الفترة.
رسم منهجاً ديبلوماسيا فريداً، سيحفظه له التاريخ في سجل الأمجاد، لدهاة الساسة في العالم، ترك إرثاً ديبلوماسيا ضخماً، يستحق أن يدرس لممتهني الديبلوماسية، من الأجيال المقبلة، مقروناً بالإخلاص، والمواصلة الدؤوبة للعمل الجاد.
لم تثنه الظروف الصحية العصيبة عن مواصلة عمله، فتراه بساندٍ للرقبة، وتراه بعكاز حديدي، وهو يمازح الإعلاميين، كعادته، حتى في أصعب المواقف، وتراه في صراعه مع المرض، تأثّر، حتى، نطقه للكلمات، وهو صامد كالجبل، لم تقهره كل تلك الظروف، حتى جاء أمر الله.
سلّم سعود الفيصل روحه إلى بارئها في العشر الأواخر من الشهر المبارك، بعد رحلة طويلة، عانى فيها ما عانى من أهوال السياسة و«بلاويها».
أتعب ساند رقبته، وأتعب عكازه، ولم يتعب، ولم يبحث عن عذرٍ لكي يستريح. سيتعب من يأتي بعده، ولكنه، في ذات الوقت، سيفيد من يأتي بعده، فقد رسم له الدرب، ورفع، للبلد راية عزّ لا تضاهى.
رحمك الله من رجل تعجز النساء أن يلدنَ مثلك!

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٣١٩) صفحة (٤) بتاريخ (١٥-٠٧-٢٠١٥)