منذ أن عرفت نفسي وساعتي البيولوجية منضبطة على توقيت النهار وولادة الشمس جنينا يخرج من رحم الليل، وكما أنني لا أتذكر منذ متى كان في عيني هذا البريق، ولا في قدمي هذا الإصرار فإنني لا أذكر يوما أني تركت رائحة الصباح التي أعشقها ولا قهوتي الحالكة السواد، ولا حاجتي لسكون خطوات الفجر يعلن في المدى عن انبلاج الضوء وسيادته، وفي كل الحوارات حول الكائنات الليلية والنهارية أجدني مع القليل من البشر ممن يعشقون رائحة الصباح البكر عندما ينفض عن أكتافه متاعب الليل والركض خلال اليوم، ليعود سكان الأرض متعبين يجرون أقدامهم، ليرتدوا ملابسهم المريحة ويستلقوا على أسرتهم ويطلقوا عنان أفكارهم للاسترخاء ويغرقون في شكل المساء وفي الحوار الليلي، كونهم كائنات مسائية تواصل مسيرة اليقظة وتربط النهار بخيوط المساء عندما يرخي سدوله على الكون، فيعشقون فيه سكينته وجاذبيته للسهر لسان حالهم قناعات السيدة أم كلثوم وهي تغني «يا مسهرني» وقول الشاعر عمر الخيام في رباعيته: فما أطال النوم عمرا ولا قصر في الأعمار طول السهر. هؤلاء يضحون بلذة الصبح للاحتفاظ بلهفتهم وحنينهم إلى هذا الجو الأخاذ من وشوشات وسائد الليل، وعلى الرغم من تحذيرات الأطباء والمتخصصين في علم النوم من تأثير السهر على التركيز، وعلى قدرة الإنسان على الإنجاز وتقليل الكفاءة العضلية للجسم والخلل في الجهاز المناعي، والإصابة بالأرق، إضافة إلى أن هرمون الميلاتونين الذي يفرزة المخ خلال الليل وهو المسؤول عن تنظيم الإيقاع الحيوي في جسم الإنسان؛ ودوره في تقليل الاضطرابات النفسية والذهنية، مما يفسر سيطرة مشاعر التشاؤم والقلق، والميل إلى الوحدة والانعزال عن الآخرين لدى الساهرين، إلا أن السهر يتسيد الموقف ويرسم نموذجا يرضخ له كثير من الناس، خصوصا في شهر رمضان الذي أشعلنا ليله وأطفأنا نهاره، مما أشعرنا بالفوضى والارتباك وفقدان السيطرة على بوصلة الوقت، بما يؤكد أننا يجب أن نفكر في إعادة النظر في أولويات السهر والعودة لممارسة الحياة بما شرعه الله، الذي جعل الليل لباسا والنهار معاشا.. تلك هي الحكمة الربانية لمنفعة الإنسان وراحته.
يقول الشاعر محمود درويش
النائم لا يكبر في النوم، ولا يخاف ولا يسمع أنباء تعصر العلقم في القلب. لكنك تسأل نفسك قبل النوم: ماذا فعلتُ اليوم؟
النوم بهجة النسيان العليا. وإذا حلمت، فلأنَّ الذاكرة تذكرتْ ما نسيتْ من الغامض.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٣٢٣) صفحة (١١) بتاريخ (١٩-٠٧-٢٠١٥)