* مع التقدم والتطور في علم الإدارة والتقنية أصبح بعضهم يُدرك مدى مسؤوليات ما عليهم وما لهم بعكس الماضي الذي كان الموظف يلتحق بأي منشأة وينتهي وهو لا يعلم ما له وما عليه..

كتبت مقالاً قبل فترة بعنوان «اعمل فيما تحب» وكان التفاعل مع المقال جيداً، وهناك من طالبني بالكتابة عن بيئة العمل الجاذبة ليكون مرتبطاً بالمقال الأول وفائدة لمن يريد أن يستفيد عند دخوله منظومة العمل الإداري سواء في القطاع العام أو الخاص، ويكون لديه خلفية عن ثقافة وأخلاقيات العمل.
مع التقدم والتطور في علم الإدارة والتقنية أصبح بعضهم يُدرك مدى مسؤوليات ما عليهم وما لهم بعكس الماضي الذي كان الموظف يلتحق بأي منشأة وينتهي وهو لا يعلم ما له وما عليه، ولذلك تجد بعضهم في الماضي يتعرض للاستفزاز والقهر دون أن يستطيع أن يحرك ساكناً بسبب جهله بالأنظمة الإدارية، أما الآن فأصبح هناك وعي واطلاع ودراية بالأنظمة والقوانين، كما أن الدورات التدريبة والتأهيلية لعبت دوراً لا بأس به في تثقيف كثير من الموظفين في ماهية العمل وبيئته المناسبة، فأصبحوا يعرفون حقوقهم الوظيفية، ويشاهدون ما تقدمه الشركات العالمية للحفاظ على موظفيها ومن هنا بدأ التنافس على خلق بيئة عمل جاذبة نسبيا للموظفين، ولذلك نشأت البيئات التفاعلية والذكية للموظفين في أغلب المنشآت العالمية، حتى لا يتسرب الموظفون من المنشأة سواء كانت حكومية أو خاصة، لأن أغلب المؤسسات المحلية اليوم تعاني من تسرب بعض موظفيها المتميزين إلى جهات أخرى، وتجد صعوبة في البحث عن كوادر بديلة وجديرة ولها خبرة تحل محل من غادر من موظفيها، وهذا يُحدثُ خللاً في منظومة العمل الإدارية داخل المنشأة.
هناك بيئتان للعمل لا ثالث لهما، الأولى: جاذبة وهي التي يبحث عنها أغلب الموظفين الذين يبحثون عن التميز في الأداء، ومن بيئة العمل الجاذبة البيئة الذكية التي تشمل المكان والإدارة والعاملين وآلية التشغيل ومستوى الإنتاجية، وتتميز بالإنجاز السريع وخفض التكلفة وزيادة الإنتاج والمنفعة، وقد ساهمت التقنيات والبيئة الذكية المبتكرة في بقاء بعض الشركات في الأسواق التنافسية العالمية، وتعتبر الإدارة الذكية التي تهتم بعنصر التطوير ودمج التقنيات على المستوى الإنتاجي بصورة غير عشوائية هي من أهم مكونات البيئة الذكية التي تساعد على إنجاز العمل بصورة أسرع وتوفير الخدمات والمعلومات المطلوبة للعاملين والتواصل مع أصحاب القرار بصورة آنية، كما تهتم بصحة العاملين من خلال توفير المقتنيات المكتبية المناسبة والإضاءة اللازمة والمناظر الجاذبة وبيئة التواصل الاجتماعي المحفزة، والمساهمة في توفير استهلاك الطاقة بأنواعها وغيرها.
ومن العناصر المهمة أيضاً في تحسين بيئة العمل قياس مدى الرضا الوظيفي لأي منشأة لتحسين وتطوير بيئة العمل، فهذا الأمر مهم جداً ويجب قياسه كل عام لتتعرف المنشأة على الجوانب السلبية فتعالجها والجوانب الإيجابية فتعززها، وقد نجحت منشآت وشركات كثيرة في هذا القياس نجاحاً كبيراً بتعرفها على جوانب كثيرة كانت تغفل عنها، وهذا الجانب أيضاً يُعزز مدى رضا الموظف ويدرك أن المؤسسة تعمل وتسعى من أجل راحته فينعكس ذلك على أدائه في العمل إلى الأفضل والإنتاجية والإخلاص، وإشاعة مبدأ المساواة والعدالة في المنشأة من أهم الجوانب المحفزة للموظفين، ويعزز هذا الجانب الإيجابي أيضاً أن الموظفين يفتخرون بعملهم وبمنشآتهم ويزداد إخلاصهم وتفانيهم في العمل لأن جهتهم وفرت لهم بيئة عمل مثالية وجاذبة بعيدة عن التنافسات الوظيفية التي تشغل فكر الموظفين دائماً، وتجد أغلب هذه الجوانب تزيد من غرس الانتماء الوظيفي للموظف في حبه لعمله ومؤسسته.
كذلك يجب ألا نغفل جانباً مهماً في بيئة العمل الذكية فيما يخص السيدات فلابد من توفر بيئة عمل مناسبة لهن وذلك بتوفير حافلات نقل مريحة ومكيفة وآمنة لنقلهن من منازلهن إلى عملهن والعكس، كذلك توفير أماكن مخصصة للحضانة ليضعن أطفالهن في مكان آمن وقريب منهن، كذلك توفير مكاتب مريحة لهن ومطاعم ومصليات خاصة بهن، وبهذه الأمور سوف تكون بيئة العمل لديهن جاذبة ومريحة بشكل كبير.
أما بيئة العمل الطاردة فهي ومع الأسف تطغى على أغلب مؤسساتنا الحكومية وبعض المنشآت الخاصة لأن التفرد بالرأي والإقصاء وعدم إشراك الآخرين في القرارات والمشورة يُفقد المؤسسة جو الحوار والتشاور واختيار الحلول المثلى لأي موضوع أو أي مسألة، كذلك تجد في بعض المؤسسات التسلط الزائد من المسؤولين على أغلب الموظفين فتجدهم يحتكرون الوظائف والانتدابات وخارج الدوام، والدورات التدريبية التي في الخارج ولا يفتحون المجال للغير للاستفادة من تلك الحوافز، وإلغاء أغلب الحوافز المالية والتشجيعية وقصرها على مجموعة معينة فقط من الموظفين، ومن الجوانب السلبية أيضاً تعيين الموظف في المكان غير المناسب له وهذا خطأ يقع فيه كثيرون، هذه بعض من الجوانب الطاردة التي تجعل الموظف يبحث له عن مكان مريح وآمن يستطيع فيه الإبداع وتقديم شيء يليق به.
ختاماً هل لدينا بيئة عمل جاذبة أم طاردة في مؤسساتنا الحكومية والخاصة؟ أترك الإجابة للقارئ للكريم ومدى معرفته بذلك.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٣٢٩) صفحة (١١) بتاريخ (٢٥-٠٧-٢٠١٥)