الثقافة كما يصفها المختصون في علمَي النفس والأنثروبولوجيا هي: مركب عقلي متجدد، والإنسان هو المنتج الطبيعي للبيئة الثقافية التي نشأ فيها، وهي – أي الثقافة- أحد أقوى المداميك التي تحافظ على المجتمع، بل تُعد أحد أهم أركان الحضارة، أما كيف؟ فمتى ما كان المجتمع على مستوى عالٍ من الثقافة تكون حصانته قوية ضد الأفكار المسمومة، والآراء المشوشة، والثقافة تكتسب قوتها ومتانتها بالتعليم واللغة، فهما مرتكزان مهمان لتطوير وتوسيع الثقافة، فاللغة أحد المعطيات لنمو الثقافة بثرائها، واستيعابها المستجدات الحديثة من مخترعات، ومصطلحات علمية، أما التعليم فهو الآخر يحقق العافية لجسد الثقافة، ويمكن أن نلحظ التفاوت في المستويات الثقافية بين دول العالم. الدول التي وصلت إلى منتج فكري وتقني إنما هو انعكاس واضح عن توفر بيئة ثقافية عالية، أهَّلتها لأن تصبح منتجة طبعاً بحسب المفاهيم الحقيقية للثقافة، أما المجتمعات التي تزيد فيها نسبة الاتكالية والاستهلاك لكل شيء، فهي تحتاج إلى تعديل في كثير من شؤونها، وأساليب وطرائق تعليمها، ولو طرحنا سؤالاً بديهياً أين تكمن وتستقر الثقافة؟ الإجابة عنه: تستقر في العقل وكذلك في الوجدان بما يحتويانه من عادات وتقاليد وأخلاقيات وقيم وأعراف وقانون، ويمكن مشاهدة أثر الثقافة في الجوانب المادية الملموسة مثل: المباني، والمخترعات، ووسائل النقل، والملابس، والأنشطة، وأنواع المهن، وكل ذلك يتحقق نتيجة عمليات فكرية، وأنشطة عقلية متراكمة منذ أزمنة قديمة، تنتقل من جيل إلى آخر من خلال التعليم، والمحاكاة، والتنشئة الاجتماعية، حيث إن الفرد يؤثر ويتأثر بغيره، والثقافة تنتشر بالاتصال المباشر وغير المباشر بين الأفراد والجماعات والدول.
الثقافة باختصار «روح الأمة»، والذي دفعني لتقديم هذه التوطئة، ما لاحظته من بهجة وسرور ملأ محيّا مثقفي الباحة نتيجة الدعم السخي الذي قدمه رجل الأعمال الشيخ سعيد العنقري، للثقافة والمثقفين، حيث تكفل بتشطيب مباني النادي الأدبي في الباحة بتكلفة تبلغ عشرات الملايين من الريالات.
نتوقف عند هذا النقطة المهمة في كون المتبرع هو أحد رجالات المنطقة البارزين في مجال التبرع، بدءاً بإقامة قاعة لأهالي قرى الفرعة، يستفيدون منها في الأفراح والأتراح، وكذا الملعب الرياضي، الذي يهدف منه إلى خدمة شريحة الشباب بممارسة الأنشطة الرياضية على مدار العام، ومبنى الجمعية الخيرية في بني سار، وهو عمل إنساني يؤجر عليه، وكرسي العنقري لأبحاث الزيتون في جامعة الباحة، والآن بتحمل تكاليف تشطيب منشآت النادي الأدبي في الباحة، ليزفَّ قبل أيام قليلة هذه البشرى.
لا يقوم بمثل هذا العمل إلا مَنْ تجذَّرت في شرايينه الوطنية الصادقة، لأنه يدرك تماماً بأن للوطن واجباً على الجميع، ولا يكفي سكب الكلمات الرنانة، ما لم تكن هناك أفعال واضحة للجميع، وهذا الذي نلمسه ونشاهده من الشيخ العنقري. أما الجانب الآخر، فنلمس درجة الوعي العالية جداً التي يتسم بها، حيث إن هذا التبرع السخي ينم عن ثقافته، وبصيرته، حيث استشعر حاجة المثقفين إلى المساندة والمؤازرة، وكانت منشآت النادي في حاجة إلى أن يكمل منظومة العمل بها، لتصبح علامات حضارية مميزة، ترتقي «ذرا جبال السروات»، وتزين جبل شهبة، وبطبيعة الحال سيظل هذا الفعل محفوظاً في أذهان الأجيال القادمة.
شكراً للشيخ سعيد العنقري على تبرعه السخي، ومبارك لمثقفي ومثقفات الباحة.
ومضتان:
1- أثناء جلسة استرخائية قال: لو كان القمر قمراً لبعته.. ضحك الآخر وقال: تفكيرك يجيء متأخراً.
2 – راودته فكرة ماردة، أثناء جلوسه على شرفة منزله، قبض على الفكرة كيلا تفر، صلبها أمامهم، امتدت أيديهم لالتهامها.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٣٣١) صفحة (١٠) بتاريخ (٢٧-٠٧-٢٠١٥)