دائماً ما كنت أخشى الوقوف على ناصية الوداع، وفي كل مرة كنت أقرُّ وأعترف أنني أعاني من هذه العقدة التي ما عرفتُ كيف أعالج نفسي منها ولا كيف يمكن أن أحتملها وأتجاوزها، وأعرف أن كثيرين غيري يقفون كالأشجار على مفارق الطرق لا يملكون أكثر من مناجاة الرياح والتلويح بأيديهم لمن آثروا الرحيل بعد أن تظل الأرض متشبثة ببقايا خطاهم حين قرر بعضهم أن ينسحب بهدوء، بينما أطلق آخرون العنان لعناق أخير أو دمعة قد تفر من محجر العين أو غصة تملأ القلب. ذلك القدر الأبدي الذي يجيء دائماً في نهاية المطاف ليسجل نهاية لقصصنا الإنسانية فقد تعبنا من تكرار ذلك الفصل الأخير في تلك المسرحية الحتمية من تدريب أرواحنا على هذه الطقوس، نعيدها عندما تدق نواقيس النهايات الإجبارية لوداع أشخاص بالموت أو بالفراق، يغيبون وتظل المناديل محتفظة بنحيب الدقائق نلفها ضماداً حول ثرثرة الدموع، بينما يمتد طريق العمر وتكثر مواسم الوداع، وفي كل مفترق طريق نعود إلى ذات السطر لنكتب ذات الكلمة التي تقشعر لها الأنامل دون أن نكون قد استوعبنا هذا الدرس الذي سيحتِّم علينا أن نشطب من رزنامة الذاكرة وجوهاً كانت قريبة منا لنسجل أسماء جديدة لقطع شوط قادم من الرحلة ونحن نرسم ملامحنا الجديدة لموسم وداع آخر نعاود فيه زرع شجرة النسيان ونتجاوز فيه شهقة الدمعات، ونعود لنمارس التكرار في حياتنا الاعتيادية دون ضحكاتهم وسؤالهم عنا ودون لهفتهم وخوفهم علينا.
وقد يكون الوداع أحياناً خيارنا الحتمي لمن أحسسنا بعبئهم على أكتافنا فنختار أن نرمي لهم بطاقة وداع أبدية وأحياناً نغادرهم بصمت ونخرجهم من ذاكرتنا دون أن نكلف أنفسنا لحظة واحدة للالتفات إلى الوراء لعلمنا أنهم لا يستحقون أكثر من غياهب الماضي لندفنهم فيه.
الوداع في كل حالاته حنظلة مريرة تجرعنا علقمها وظلت مرارتها ضاربة في عمق مشاعرنا، تلك اللحظات التي تضج بالحنين أحياناً وتغص بالذكريات أحياناً أخرى، تلك المرحلة التي تجاوزتنا ولم نعرف كيف نتجاوزها؟ ولا عزاء للمودعين.
يقول الشاعر محمود درويش
عندما تريدون الرحيل، ارحلوا.. لكنْ لا تعودوا أبداً، كونوا للرحيل أوفياء.. لعلَّنا نكونُ أيضاً لنسيانكم مخلصين.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٣٣٣) صفحة (١١) بتاريخ (٢٩-٠٧-٢٠١٥)