للصوت تذكرة وصول، تتجاوز حاجزه، وتفاصيل نبرته، له معنى يفوق منطق اللغة عندما يحلق عالياً، لينبض كالطيور في عنان السماء، ويصدح في المدى، ويرسم الوجه الآخر لحضور الإنسان، وبصمته الوراثية التي تتكرر دائماً عندما نتوارث أصواتنا كما نتوارث أشكالنا، ونظرات عيوننا. الصوت هاجسنا الذي نركض إليه عندما يرن الهاتف، لنسمع كلمة واحدة من الطرف الآخر، وننتشي، وتلك النغمة التي نحِنُّ إليها عندما تصدح بالشعر، أو الغناء، ونتناول وجبته «الهامسة»، ونشنّف آذاننا بما نحب كي نطمئن، أو نعرف ما وراء الأبواب المواربة، أو قد نخبئه تذكاراً في حقائب الذكريات. إنه النعمة الأزلية، التي تمكننا من التنفس بطريقة مختلفة، ونحن نطلق زفرة الآه، أو نصرخ ملء المدى، أو حينما نجلس لنحكي مواجعنا، ونحوِّل ما في صدورنا إلى ترددات لـ «تكات الدقائق» المتعبة كي تستريح في واحة الهطول. إنه تلك النعمة الربانية التي تجعلنا نفهم الآخرين من نبرة وطريقة حديثهم، نفهم زفراتهم، ومتاعبهم. إنه مساحة أخرى لتبادل لغة الحوار حين يخرج على سجيته، ليقول ما فينا بنبرته المبحوحة، أو الجريحة، أو المتفائلة. ذلك الذي يجلجل إذا غضبنا، وقد يختار كثيراً منا لغة أخرى يجتازون فيها جدار الصوت عندما يتبخر الكلام، ويتبرأ من معانيه. تلك حكايات أصواتنا إذا ما قررنا أن نرهف السمع لصوت الضجر المختبئ فينا، ونترك فأسه تتكسر في دواخلنا خوفاً على مشاعر غيرنا، وقد نسمح له أن يتساقط كأوراق الأشجار اليابسة، ونقف متفرجين نعتزل الصهيل إذا ما شعرنا بعدم جدواه، فنقف دقيقة صمت واحدة كي نقول الحزن، ونتوارى خلف ستائره على مضض، كي يظل الجرح مختبئاً فينا، ولا نكشف عورته، وكي تظل كل الإجابات والنهايات المجهولة حداً فاصلاً، يقول كل شيء دون كلام، هكذا يعيش الصامتون، يصغون إلى كل الضجيج، ويختارون حديث السكوت، ويتركون لغيرهم فرصة التفكير والتخمين، بينما تضج في حناياهم كل الأصوات، فيخرسونها، ويحتملون خيارهم الأبدي، يتركون المشاعر تنهش حنايا القلب، أولئك الصامتون الذين آثروا الإصغاء لدواخلهم بعد أن انقطع حبل الكلام، راضين بخيارات السكون.. ولا.. س ك و ن.
يقول الشاعر محمود درويش:
لو أَرهفنا السمع
إلى صوت الصمت … لصار كلامنا أَقل!

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٣٣٨) صفحة (١١) بتاريخ (٠٣-٠٨-٢٠١٥)