«سلام يا سوق رغدان، فيك الشباب الطموح». ينسدل صوت الشاعر كحزمة ضوء، وهو يشدو بالقصيد ليزهر الصدى كأوراق ثمر «حبقة الحازم»، ويتماهى بين جبلي «الحبناء» و»القابل»، اللذين يُقبِّلان، ويحضنان بيوت القرية بحنو كحنو أم رؤوم، ويتغلغل صوت الشاعر المتيَّم في حنايا القلوب، وتغدو الكلمات المذهّبة، والمهذّبة، كالعصافير الخضراء المحلِّقة على وادي «قوب»، ويرتفع صوت الشاعر حين التفاؤل، وحين الأمل، و»ينداح» في طرق «الجبل»، تهفو له النفوس، وترق له القلوب العاشقة، ويغدو الصوت المنسدل من أوتار حجرته المتيَّمة كماء قراح، يتصبَّب من فوهة إبريق فضي، لتقبِّله وردة العمر، «سلام يا سوق رغدان»، ذلك السوق الذي ارتبط بيوم الأحد، ليعيش دهوراً، ويجعل من رغدان أيقونة للجمال، وغابتها أمثولة لعظمة الرب، تختلج الروح عند اشتمام زائرها شذى أغصان عرعرها، وعبق سذابها، تلك الغابة الصغيرة اقتُطِفت من جنة الروح، لتعتلي هامة «الطفة»، التي أضحت مزاراً سياحياً، تُشدُّ إليها الرحال، أما رغدان القرية فكانت في زمن مضى عاصمة لدويلات ذابت في صفحات التاريخ، وتركت شيئاً متجسداً في أحجار منازلها، ومداميك حصونها، وحنايا مساربها، وذاكرة أهلها، عاشت رغدان حروباً مذهلة، حيث انطمر رأس أحد قادة «الباشوات» في أحشاء تربتها، لموقعها ضرب من الجمال، ولرجالها أفعال كشموخ الجبال، ولواديها، الذي يتلدن بين شعابها، خرير كصوت البلابل، عذب يشنّف الآذان، مصاطبها الزراعية تغدو كلوحات عبقرية، بناها الإنسان الجسور فوق صدر الجبل، واقتلع الأحجار من الصخور الصلدة، ليبني المنازل والمصاطب، التي غدت كسبحات كهرمانية منظومة من عقيق القلب، أما آبارها فقد حُفرت لتُشكّل مرايا مضيئة، تُبهج الزرع، وتسر الضرع، وللفرح في باحة السوق غبطته التي «تشي بالجمال»، وتزيده ألقاً، ومع إيقاع «الزير» على تورق النفوس، تتطهر الأبدان، وتغدو القلوب كخميلة بيضاء، فرح يملأ النفوس، ويفيض، ويستجلب غمام السماء ليلتمع البرق، ويعزف المطر معزوفته الرقراقة، هتاناً، تستقبله أفواه «الركايب» والخلجان بِلوعة وشغف لهذا الشدو الرباني، عندها تُخرِج أزهارها وثمارها وخيراتها.
بوح:
إلى قريتي السروية، التي تهجيت في وجهها أحرفي وكلماتي، ودسست في مخابئها أسراري، واستللت من عيدان عرعرها مراسمي، لأكتب في سطور دفتري عن صوت محالتها، وأزهارها، ولوزها، وترانيم نايها، وشدو شاعرها، وشفيف جداولها، وبريق ثغرها، لأنسج الذكريات أقماراً وأشجاراً وأفراحاً وأحزاناً، إليك يا قريتي أهدي نبض وجداني.
وزارة التربية نسيت مبناها:
هذه القرية، التي أصبحت ضمن أحياء مدينة الباحة الجميلة، تعاني من إهمال واضح من وزارة التعليم. نعم لقد هُدم مبنى المدرسة الابتدائية منذ ما يقارب سبع سنوات عجاف، لعل الوزارة تستبدله بمبنى حديث، يلبي احتياجات الطلاب التعليمية والتربوية والنفسية، ومضت السنون دون أن يُدقَّ مسمار واحد في نعش مبناها، ومكثت الأرض غبراء لا تسر الناظرين، وبقي طلاب المدرسة في مبنى مستأجر إلى حين مجيء الفرج، الذي طال، فظن أولياء أمورهم أن الوزارة نسيت هذا المشروع، وأصبح كما يقال: في خبر كان، أو اسم إن المنصوب، ولن يُرفع المنصوب إلا بالتفاتة سريعة، وفعل جاد ليس من الوزارة، التي نامت طويلاً عنه، فقد غسل الأهالي أيديهم منها، بل يأملون من الجهات العليا أن يكون هناك قرار سريع يعيد بريق الأمل إلى طلاب ما زالوا ينتظرون.
وفاة حلم:
كان متنزه رغدان مع موعد أخضر لإثراء، وترويج السياحة في منطقة الباحة، بإكمال مشروع «التلفريك» الذي بقيت جدرانه الإسمنتية تصارع الهواء على مدار العام. كان «التلفريك» حلماً جميلاً، إلا أنه، مع الأسف، مات، بل أجهض قبل ولادته. فكرة المشروع كانت رائدة بإيصال عربات هوائية معلقة من رغدان إلى جبل مهران، نزولاً إلى قرية ذي عين الأثرية. انتقال بهي بين غابات السراة وصولاً إلى سهول وأودية تهامة الخير، بين بيئتين مختلفتين في المناخ والتضاريس. ومات الحلم! وبقيت الجدران الرمادية خير شاهد على وفاته.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٣٣٨) صفحة (١٠) بتاريخ (٠٣-٠٨-٢٠١٥)