كانت السماء في أبها تحتفي على طريقتها وهي تودع الشهداء الذين سقطوا في مسجد قوات الطوارئ، كانت تبكي وهي تقدم طقوسها برشَّات المطر البريئة لتنسكب برداً وسلاماً على أرواحهم، بعد أن غصَّت الغيمات والحناجر بحكاية غريبة صرنا نشهدها مؤخراً من التطاول على المساجد والمصلين وعلى الأوطان، فلم يكن ذلك الوجه الذي دخل إلى المسجد وحمل المصحف ليقلبه بين يديه ثم يعيده إلى مكانه قبل أن يقف بين الصفوف ويفجر نفسه غريباً عن هذا الوطن، كان يحمل ذات الملامح والسحنة، وذات نظرة العينين، بينما شُوِّهت أفكاره بمعتقدات جعلته يظن أن قتل الأبرياء هو جهاد، وأن تخريب الأوطان هو كرامة، وهو لا يعلم أن عزته وكرامته في وطنه، وأن ما يعيشه المسلمون حالياً من فتن وانقسامات هو نتيجة حتمية لتخريب الأدمغة العربية من جهات معلومة وغير معلومة تريد أن تغير خارطتنا العربية، وتعبث بأمننا العربي والإسلامي، وتثقب سفننا العابرة.
لم يكن يعلم أن ويلات التشرد والجوع والفقر التي ملأت شوارعنا العربية بدأت باستغفال أبنائها، وإدراجهم ضمن قوائم تنظيمية لتحقيق مخططات إرهابية، وأنه ليس أكثر من كبش فداء للعبة قذرة استهدفت وطننا الإسلامي الكبير، ليس أكثر من ورقة يابسة سقطت من الشجرة ولم تضرها.
ودعت أبها شبابها، وربطت على الجرح، وقامت بكل عنفوان الصبر والثقة، قامت لتواريهم الثرى، وتتفقد مواطن جرحها لتداويه، وتضيء شموعها لتواسي قبور الشهداء وهي تقرأ ما تيسر من آيات الوداع.
عندما كنت أجري حواري مع أمهات وأسر الشهداء وأقاربهم كانوا يرددون بصوت واحد «كلنا فداء للوطن»، كانت عزيمتهم وقوة إيمانهم أقوى فتكاً من حزام ناسف أو قنبلة موقوتة، استهدفت شباباً في عمر الزهور، لم يوجعهم الموت بقدر ما أوجعهم أن عدوهم هو واحد منهم، كالفأس يوجع الشجرة وهو أحد أبنائها.
يقول رئيس وزراء لإسرائيل ديفيد بن جوريون «قوتنا ليست في سلاحنا النووي، بل في تدمير وتفتيت ثلاث دول كبرى حولنا العراق – سوريا ومصر إلى دويلات متناحرة على أسس دينية وطائفية، ونجاحنا لا يعتمد على ذكائنا بقدر ما يعتمد على غباء الطرف الآخر»
يقول الشاعر مفرح الشقيقي :
الغيمُ يا أبها يكفكفُ جرحهُ
والماءُ – رغم ضلالهمْ – يتبسَّمُ

قولي لمنْ نثرَ الدماءَ توهُّماً
الله أكبرُ من هواكَ وأرحمُ

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٣٤٥) صفحة (١١) بتاريخ (١٠-٠٨-٢٠١٥)