قصة حزينة يتداولها الناس في مجالسهم، لا أدري هل هي محض خيال؟ أم أنها وقعت بالفعل؟ إن كانت وقعت بالفعل لعل كثيراً من العرسان يأخذون حيطتهم وحذرهم، ويعتبرون مما آل إليه العريس من وضع مؤلم جداً – حد السكين – العريس الذي أضاع عروسه في الأيام الأولى من زواجه.. وإن كانت قصة نُسجت من خيوط الخيال فجزى الله حابكها خير الجزاء، كي لا يقع بعضنا في شر ما يحيكه الأشرار، ولكي يقوا أنفسهم وعرائسهم من غدر اللئام، والقصة تقول بأن شاباً ارتدى عباءة الفرح واعتمر قبعة البهجة، وودع أهله ومحبيه في باحة المطار كي يقضي شهراً هنيئاً في إحدى الدول السياحية الشهيرة، وقد جاء ذلك دون تنظيم أو ترتيب مسبق لاختيار السكن الذي يؤويه والمواقع التي يزورها، حلقت الطائرة بين أردان السحاب، وكان وقتها يحمل بين جوانحه الآمال لإسعاد عروسه التي لا تعرف سوى محيط منزلها ومدرستها فقط، وهو كذلك ليس لديه من الخبرة ومفاجآت السفر، حيث كانت مدينته أقصى حد جغرافي تستوعبه ذاكرته، ولمّا كان كثير من أقرانه يقضون أشهر العسل في مشارق ومغرب الدنيا، فلم لا يضارعهم وينافسهم في الوصول لتلك المدن البعيدة، يشنف سمعه في خرير مياه أنهارها ويمتع بصره في اخضرار أراضيها، وتقاسمه – بطبيعة الحال – العروس شريكة حياته وضياء أيامه في هذه المتعة الحسية والبصرية والسمعية، حطت الطائرة على مدرج المطار المهول، وأقلته سيارة الأجرة ليصادف سائقها يتكلم قليلاً من اللغة العربية وقد خفف عنه صعوبة التفاهم، كانت حزمة التوصيات من أهله وأصدقائه بأن يختار فندقاً مناسباً ليس في أطراف المدينة ولا وسطها المكتظ بالسكان، إلا أن سوء التدبير والتخطيط وقلة الخبرة وغواية الأشرار جعلته ينساق مع حديث السائق الذي منّاه بموقع سكن مثالي أوسع مكاناً، وأقل ثمناً، وأفضل موقعاً، وبالفعل تغير مسار تفكيره وجانب توصيات أهله، وحين وصل – إلى ما كان يريده السائق – في وقت متأخر من الليل لم يكن موجوداً في الشقة ما يسد رمق جوعهما، الشقة بطبيعة الحال تخلو من الطعام والماء، فطلب من السائق الماكر الذي كان يقف كالثعلب على مقربة من الباب، طلب منه وبأجر إضافي أن يوصله إلى أي مكان تجاري ليتزود بما يحتاجه من طعام، ولما كان الوقت متأخراً فإن فرصة وجود أسواق تكون قليلة لكون أنظمة تلك الدولة لا تسمح بالتسوق عند ساعة معينة من المساء، مما أعطى السائق فرصة مشط شوارع المدينة، ليذهب إلى مكان قصي عن مقر الشقة التي استأجرها، العريس انهمك في شراء مستلزماته ودفع القيمة الشرائية، وما إن فرغ ليبحث عن السائق الذي اختفى أثناء انشغال العريس، استمر يحدق في وجوه المتبضعين، عندها صرخ أين السائق.. أين السائق؟ وسط استغراب الذين حوله وهم لا يفهمون لغته أو مقصده سوى واحد اقترب منه ليسأله عن مشكلته، ولمّا شَرحَ له قال له: ما عليك منه يوجد غيره من السائقين، سنوفر لك مركبة تقلك إلى مكان سكنك، قال: لا أدري عن مكان الشقة، السائق هو الذي أوصلني هنا، وليس لدي عنوان الشقة، كان الوضع محرجاً للغاية، العريس لا يعرف شيئاً عن شوارع وميادين المدينة الضخمة التي تتشابه شوارعها وميادينها وراح بفجيعته يبحث.. ويبحث عن المكان الذي أودع فيه حشاشته، هنا أتوقف أيها الأحبة عن سرد بقية القصة لأنها مأساوية نعم مأساوية وتقطر دماً ودمعاً وحزناً.
ومن هذه القصة التي يتحدث بها وعنها كثيرون تجعل من الضرورة توصية العرسان المسافرين وهم كثر بضرورة الترتيب والتنظيم المسبق للدول المناسبة، وعدم الانسياق وراء البريق مهما عُرض عليهم من إغراءات، والسؤال الجاد عن الأماكن المناسبة، وأهم شيء عدم مبارحة زوجته «حجل برجل» بكلام أهل الديرة، أو يغيّر مسار سفره إلى المواقع السياحة في وطننا العزيز.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٣٤٥) صفحة (١٠) بتاريخ (١٠-٠٨-٢٠١٥)