قضية رفع الدعم عن المواد الأساسية في دول مجلس التعاون التي تعتزم حكومات هذه الدول الإقدام عليها في قادم الأيام، وفق تصريحات عديدة صادرة عن عديد من مسؤولي دول المجلس، بعضها تصريحا وأخرى بالتلميح، قد تسهم في زيادة مداخيل الموازنة العامة وتؤشر على أن مرحلة الدعم اللامحدود للمحروقات والكهرباء واللحوم الحمراء والبيضاء والطحين (الدقيق) ستكون في خبر كان مع استمرار أسعار النفط الخام عند سقوفها المتهاوية الحالية التي لا تتجاوز الخمسين دولارا للبرميل ومرجح لها أن تستمر خلال السنتين المقبلتين على الأقل، حسب تقديرات عديد من خبراء النفط في المنطقة والعالم. وتبدو دول التعاون واقعة بين ناري انهيار أسعار النفط الذي لم تعد منظمته الأكبر «أوبك» قادرة على فعل أي شيء إزاءه، وبين الولوج في متاهة رفع الدعم عن المواد الأساسية، ما يعني استحقاقات وتبعات قد لا تكون في الحسبان.
يقدر صندوق النقد الدولي حجم الدعم الذي تقدمه دول مجلس التعاون الخليجي هذا العام بنحو 360 مليار دولار منها 129 مليار دولار في المملكة العربية السعودية، في الوقت الذي بدأت فيه دولة الإمارات رفع الدعم عن البنزين ليزداد سعر اللتر بنسبة 24 بالمائة من 1.72 درهم (0.46 دولار) إلى 2.14 درهم، حسب ما ذكره الموقع الإلكتروني لوزارة الطاقة الإماراتية. وتقدر مصادر عديدة منها صندوق النقد الدولي أن الإجراء الإماراتي يفترض أن يوفر للحكومة قرابة 29 مليار دولار، بينما يقدر الصندوق أن تمنى الموازنة العامة الإماراتية بعجز يقدر بتسعة مليارات دولار هذا العام يعتبر الأول منذ العام 2009. ووفق لجنة متابعة أسعار الوقود في وزارة الطاقة، فقد «استبعدت أن تشكل الزيادة عبئاً كبيراً على ذوي الدخل المحدود»، وهي تصريحات ذات دلالة بالمقارنة مع نصيب الفرد في الإمارات من الدخل القومي الذي يصل إلى نحو 50 ألف دولار سنويا وتخطط الدولة زيادته بنسبة 65 بالمائة في العام 2021، أي أن تأثيرات رفع الدعم عن أسعار البنزين لن تكون ذات أهمية كبيرة بالنسبة لدخل الفرد الإماراتي المرتفع، بخلاف دول أخرى في المنظومة الخليجية، حيث يعاني المواطن فيها من تدني دخله، الأمر الذي سيقود إلى إضافة أعباء جديدة على كاهله عندما تقرر الدولة رفع الدعم عن المواد الأساسية مثل المحروقات والكهرباء واللحوم، وهذه القطاعات تشكل النسبة الكبرى من إجمالي الدعم المقدم.
وبالعودة إلى أسعار الوقود، يشير أحد التقارير إلى أن السعودية «تعتبر ثاني أرخص دولة في العالم في أسعار البنزين بعد فنزويلا، ويبلغ سعر اللتر حاليا 0.16 دولار، وفي الكويت 0.22 دولار، وقطر 0.27 دولار، والبحرين 0.28 دولار، في حين ارتفعت الأسعار في الإمارات لتكون ثاني أعلى دولة آسيوية في أسعار البنزين، بعد أن زاد إلى 0.62 دولار، عقب تحرير أسعاره».
لقد جاء التوجه لرفع الدعم عن المواد الأساسية إثر ضغوط مارستها المؤسسات المالية الدولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي على دول التعاون، طالبت بضرورة تنويع مصادر الدخل وعدم الاعتماد على النفط كمصدر رئيسي للدخل القومي، فضلا عن العجوزات المليارية التي بدأت وستستمر عدة سنوات صعبة ستواجهها الموازنات العامة مع استمرار انهيار أسعار النفط، الذي تقل أسعاره الحالية عن نقطة التعادل في الموازنات العامة لدول المجلس، حيث يبلغ سعر التعادل للموازنة العامة لدولة قطر ما يقارب 71 دولاراً للبرميل (استناداً لسعر نفط خام الإشارة مزيج برنت)، في حين أن سعر التعادل لدولة الكويت هو 77 دولاراً، وفي الإمارات 80 دولاراً ، وفي السعودية وسلطنة عمان يقدر بـ99 و100 دولار على التوالي، أما في مملكة البحرين فتم تقديره بمبلغ 136 دولاراً للبرميل، وفق دراسة نشرتها صحيفة «الخليج أونلاين» في العاشر من شهر يونيو 2015، التي أوردت تقريرا لصندوق النقد الدولي يفيد بأن «فائض الموازنات الخليجية البالغ في العام 2014 نحو 76 مليار دولار، تحول إلى عجز يقدر بـ122 مليار دولار، هو ما دفع دول مجلس التعاون الخليجي إلى خفض نفقاتها العامة لمواجهة تراجع العائدات الناتج عن تدني أسعار النفط». وشدّد الصندوق على ضرورة «ألاّ تتصرف هذه الدول بطريقة اندفاعية في مواجهة تراجع الأسعار (..) والعمل على تصحيح تدريجي لاقتصاداتها عبر استخدام الاحتياطات المالية الضخمة المتراكمة من ارتفاع أسعار النفط على مدى سنوات». وتشير إحصائيات الصندوق إلى أن دول مجلس التعاون الخليجي جمعت احتياطيات مالية تقدر بـ2.45 تريليون دولار، فيما يوضح معهد «المالية الدولية» أن دول الخليج تدير نحو 2.28 تريليون دولار عبر صناديقها السيادية، ما يمنحها قدرة على الصمود عدة سنوات قادمة في حال استمرار تراجع أسعار النفط العالمية.
ربما تقدم لنا هذه الإحصائيات مؤشرات جدية على ضرورة التحرك وفق الإمكانات المالية أولا، وعدم الركون لخيار الاقتراض ثانيا، بل إطفاء العجوزات التي ستمنى حتما بها أغلب الموازنات الخليجية من الفوائض التي حققتها خلال سنوات البحبوحة النفطية، في الوقت الذي تحتاج دول المجلس إلى سلوك أفضل السبل في التعامل مع رفع الدعم عن المواد الأساسية، خصوصا أن أغلب هذه الدول تعاني من اختلال سكاني كبير لصالح العمالة الوافدة التي تشكل الغالبية العظمى في أربع من دول مجلس التعاون الست.. وهذا يعني النسبة الكبرى من الدعم يستفيد منها الوافدون.
لقد حان الوقت لاستنباط مؤسسات مستقلة تعمل على دراسة الواقع كما هو، وتقديم مقترحات وتوصيات من شأنها الخروج بأفضل الحلول، وعدم الركون إلى المقترحات والتوصيات المعلبة القادمة من وراء البحار دون دراسة جدية. فلابد من وضع مصلحة وحاجة المواطن الخليجي ومدى قدرة راتبه الشهري على تلبية متطلبات المعيشة في مجتمع استهلاكي بحكم الخلل الهيكلي في الاقتصاد. هذا المواطن متورط من رأسه إلى أخمص قدميه في قروض تشكل النسبة العظمى من حجم التسهيلات الائتمانية.
ثمة طرق يمكن سلكها بأقل الخسائر لو أن دول التعاون بدأت تفكر خارج الصندوق وعالجت الخلل بوسائل غير التي تفكر أغلبها فيها، إذ تؤكد كل المؤشرات أن رفع الدعم قادم لا محالة، لكن هناك طرقا عليها أن تحاكي العدالة الاجتماعية ومن الضرورة سبر غورها قبل أن يتضاعف الخلل فيصعب اجتراح الحلول له.
باختصار شديد ينبغي استثمار الثروات السيادية في تحسين دخل المواطن الخليجي والشروع في تجسير المسافات المالية والاقتصادية بين دوله بصندوق عملاق يؤسس للاتحاد الخليجي الذي يجرى الحديث عنه كثيرا.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٣٤٩) صفحة (١١) بتاريخ (١٤-٠٨-٢٠١٥)