في يوم فائت كتب الدكتور علي الموسى، مقالاً وسمه بـ «إنها بكتيريا الإقليمية»، ويهدف الموضوع إلى شيء مهم، وهو تغليب المصلحة الوطنية على غيرها من المصالح الشخصية، والإقليمية، والعشائرية، والمناطقية، والمسؤول أيَّاً كان مركزه معنيٌّ بمغزى الموضوع، إذ ربما يتخذ بعضهم سياسة المحسوبيات، والمجاملات، والعواطف، ووضع الأشخاص في غير مواقعهم التي تتناسب مع قدراتهم وإمكاناتهم، الأمر الذي ينعكس سلباً على جودة العمل، وتحسين الأداء، وقد كانت هناك دراسة كشفت أن الدول العربية تأتي أولاً من حيث الفساد الإداري، ومن البدهي أن تتأثر مسيرة النماء والتطور، ويظل بنو يعرب يراوحون في ذات المكان، ولما كان وطننا الغالي كالخيمة المستديرة، يصطف أبناؤه عند الرواق دون تمييز، ودون سحب الثقة من بعضهم، أو إقصاء لرأي، أو تهميش لفكرة، فإن ذلك يزيد من مساحة التفاؤل، ومن حضارية التعامل. إلا أن المشاهد يقول: ليست كل المجتمعات منزَّهة عن الشوائب، والأخطاء الفادحة من بعض المديرين، وليس كلهم، فالمشكلة تكمن في استمراريتها دون مكاشفة، أو حتى محاسبة، وهو ما يزيد من استشراء المحسوبيات واستفحالها، ما يكبد المجتمعات خسائر فادحة لا تقدر بثمن، وينجم عن ذلك تعطيل قدرات عالية، ومواهب منتجة، فبعض المسؤولين ينظر بعين واحدة، وتتحرك أنامله بمغناطيس العاطفة، بل إن بعضهم يضخِّم الذوات غير المتمكنة، ليعطي مسوغات ومبررات لقراراته. فعلاً نحن في حاجة إلى مكاشفة صريحة، وواضحة، وأمينة من خلال تفحص القرارات، التي «تصطفي» الأقارب، أو غير المؤهلين، وتُقصي غيرهم. نحن مجتمع يؤمن بالكفاءة الإدارية، والتخصص المؤهل بما يثري العمل، ويزيد من وهج العطاء، وتسارع التنمية، أما الخيوط، التي تُحاك بفعل عاطفي ممقوت، فإنها سرعان ما تهترئ أمام صرامة المصارحة، وبياض المكاشفة، وضرورة المحاسبة. ولنكن صرحاء، هل يمكن لمجتمع النهوض عبر عناصر غير مؤهلة تُسند إليها مهمة تحريك «مكنة العمل»، وصنع القرارات، و…؟ الإجابة واضحة كالشمس في رابعة النهار: تفيض صدورنا من الفرح حين يعتلي الكرسي مَنْ لديه الحصافة، والأمانة، والخبرة، والصدق، والإخلاص، والنظر إلى الجميع بعين المساواة دون تمييز، أو سحب ثقة، دون «محكّات سابقة»، ونشعر بالحزن والألم حين نشاهد عناصر ذات تأثير وهي تغيِّر بجرة قلم كفاءات، وتستبدلها بأخرى تكون العين عنها راضية، وحين نرى بعين فاحصة ومدققة كل ما يدور حولنا نلحظ أن هناك «وخزات مؤلمة»، سببها إداريون ليس لديهم الخبرة الإدارية الجيدة. إذاً المشكلة ليست فقط فيما ينتج عنهم من قرارات ضعيفة، ومرتبكة، وعاطفية، بل أيضاً في المسؤول الذي أعطاهم كامل المسؤولية، ليساهم بقصد، أو دون قصد في نثر البثور، تاركاً للزمن مهمة العلاج، وأي علاج؟! إننا نتعجب كثيراً من تلك العبارات التي يسوقها مديرو العلاقات العامة في بعض المصالح الحكومية حول أن العمل على ما يرام! نتألم عندما نشاهد بأم أعيننا بعض المسؤولين وهم يضخون فصيلة دمهم في إداراتهم دون اعتبارات مهنية، أو إدارية. حب الوطن أيها السادة ليس عبارة ننشدها في طابور الصباح، وننساها في الحصة الأولى من اليوم الدراسي، حب الوطن هو: استمرارية حب، وعطاء، وإخلاص، وأمانة، وتضحية. حب الوطن: القدرة على الإنتاج، والإبداع، والعطاء، فكم من مسؤول يمكث عقوداً على كرسيه دون تطوير يذكر، أو تحسين يلاحظ، وساعة مجيء إداري آخر يتغير كل شيء في فترة وجيزة، وبنفس الإمكانات المادية والبشرية، فمَنْ سمح لهؤلاء «الجامدين» البقاء لمدة طويلة؟! نحتاج فعلاً إلى مكاشفة صريحة لكشف مثل هؤلاء الذين يجيدون حياكة «الخيوط القاتمة» بسبب لعبة العواطف، أو ضبابية العمل الإداري، التي سمَّاها الكاتب الدكتور علي الموسى» بكتيريا الإقليمية»، أو العشائرية، أو سمِّها كيفما شئت.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٣٥٢) صفحة (١١) بتاريخ (١٧-٠٨-٢٠١٥)