صناعة السياحة ليست بالشيء السهل الذي نتصوره، إنما تحتاج إلى تخطيط وجهد وعمل، خاصة إذا توفرت مقومات السياحة الأساسية من الأمن وجمال الطقس وتوفر الخدمات التي يحتاجها السائح

ونحن على أعتاب انتهاء إجازة الصيف وعودة المصطافين من داخل المملكة وخارجها إلى ديارهم، وبداية عجلة الدراسة لجميع المراحل الأسبوع المقبل، وهناك من كانت إجازته داخل ربوع الوطن، واستمتع بما جاد الله على تلك المدن من خدمات وبرامج سياحية، اجتهدت محافظات المناطق في إقامتها لجذب الزوار لمحافظاتهم وغيرها، وهناك من كانت وجهته خارج المملكة، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه في ختام «بوصلة الصيف»، أين اتجه السائح السعودي خاصة والخليجي بشكل عام هذه السنة.
يبدو أن مؤشر الأرقام الذي نشرته بعض المواقع الإلكترونية، ووسائل الإعلام المكتوبة منها والمرئية يدلل على أن تركيا كانت هي الوجهة الكبيرة للأغلبية، وحسب تصريحات سفير خادم الحرمين الشريفين الدكتور عادل مرداد بأن عدد السعوديين الذين زاروا تركيا من شهر يناير حتى نهاية شهر مايو 2105م بلغ قرابة (144.150)، ومتوقع بأنه تضاعف خلال الثلاثة أشهر الماضية. ويبدو أن ذلك منطقي لتوفر الخدمات الكبيرة للسائح، وتوفر أماكن السياحة في كل مدينة.
صناعة السياحة ليست بالشيء السهل الذي نتصوره، إنما تحتاج إلى تخطيط وجهد وعمل، خاصة إذا توفرت مقومات السياحة الأساسية من الأمن وجمال الطقس وتوفر الخدمات التي يحتاجها السائح، تركيا كأنموذج في صناعة السياحة تفوقت كثيراً في إغراء السائحين الخليجيين وغيرهم من الأوروبيين لزيارة بلادهم، حتى أن الخطوط التركية تسير رحلة يومية إلى «كوانزو» لفتح المجال لمن هناك بزيارة تركيا، وهذا جزء من صناعة السياحة، كما أن مطارات تركيا تعد الآن وجهة أغلب العرب إلى أمريكا وأوروبا، وهي الآن بصدد بناء أكبر مطار في العالم، وهذا جزء من صناعة السياحة أيضاً.
تركيا بلاد جميلة والجميع يعرف تاريخها القديم، وكيف تم فتح القسطنطينية من قبل السلطان محمد الفاتح سنة 1453م، وقيام الخلافة العثمانية فيها بعد تغيير اسم القسطنطينية إلى «إسطنبول» أي الرجل القوي بالتركي، وتعد الأماكن التاريخية التي خلفتها الدولة البيزنطية ومن بعدها الخلافة العثمانية هي اهم المعالم الاثرية ربما على مستوى العالم، ويحتاج الإنسان فيها فترة طويلة لزيارة جميع الأماكن وتغطيتها بالكامل، وعند زيارتك لقصر «دولما بهتشه» التحفة المعمارية الجميلة الذي يقع على الضفة الأوروبية من البسفور. ويقال إن قطعة الأرض التي بني عليها القصر كانت مدفونة من البسفور، أي تم ردمها «حشيها» و«دولمة» بالتركية تعني محشي و «بهتشه» معناها حديقة، ولذلك سمي بهذا الاسم. عموما يعد هذا القصر من القصور الأثرية التي يقصدها كثير من السائحين، ولا يمكن لأحد أن يزور تركيا ولا يزور هذا القصر، كما أن كنيسة «أيا صوفيا» التي حولها السلطان محمد الفاتح إلى مسجد، واستمرت الصلاة فيه لمدة خمسة قرون حتى تم إنهاء الدولة العثمانية عام 1926م وتم إيقاف الصلاة فيه من قبل مصطفى أتاتورك، وفي سنة 1938م حوله الرئيس التركي عصمت انينو إلى متحف يعد مقصداً مهما لكل سائح.
ومن صناعة السياحة أيضاً التسهيل للأجانب للدخول في الاستثمارات التركية، خاصة بعد قيام الحكومة التركية بإجراء تعديلات واسعة على مادة التعامل بالمثل في قانون العقارات التركية، مما جذب ذلك الاستثمارات الخليجية وجعلها تعتلي المراتب المتقدمة في قطاع العقارات خلال الربع الأول من العام الجاري، وتصدر السعوديون قائمة الاستثمار الأجنبي في مجال العقارات، حيث قدر ما اشتراه السعوديون بتركيا حوالي 1.9 مليون متر مربع وهذا الرقم يعد كبيرا للغاية، والسؤال هو لماذا هذه الوجهة للسعوديين إلى تركيا؟
ختاما السياحة تحتاج إلى صناعة وتوفر كل مقوماتها الأساسية حتى نستطيع جذب السياح من الداخل والخارج، ولعلنا في بداية طريقنا إلى صناعة السياحة في مصائفنا وشواطئنا، التي بالفعل تحتاج إلى جهد كبير وبذل مزيد من العمل، حتى نصل إلى قناعتنا في السياحة داخل وطننا.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٣٥٢) صفحة (١١) بتاريخ (١٧-٠٨-٢٠١٥)