أن تكون فلسطينياً ذلك القدر الصعب الذي يجعلك بين ثلاث معادلات لا تقبل القسمة على أي وطن، فإما أن تكون غائباً وراء مواجعك في سجنك الكبير في غزة، وتنتظر خروجك من القفص الذي يجمعك في هَمٍّ كبير مع آخرين تقتسمون سخرية الحياة بلا كهرباء، وسيناريو البطالة وويلات الفقر والجوع والتسول وقلة الحيلة، وأنت تنتظر إعادة إعمار منزلك الذي ودعك واقفاً في جدل الريح، وأنت تنتظر في طوابير الخبز أن يمن الله عليك بأن تحمل على كتفك جرة الغاز «الحلم» كي تطهو ما تبقى من لحمك للجياع، وترضى بقدر أنك من شعب الجبارين الذين يجب أن يكونوا خارج فصيلة البشر، قادراً على التكيف مع الجوع والتشرد وانتظار الموت المؤجل، وأن تقبل بكل التهم المنسوبة إليك من التخاذل والخنوع والخيانات، وأن تعترف بجميع الأخطاء التي ارتكبها الآخرون بذنبك الأول في كونك تحمل هوية لا تسمح لك حتى بزيارة بقالة في أي دولة مجاورة.
أو أن تكون فلسطينياً في الضفة الغربية «على كلك يا حال» فهناك عديد من المزايا في الحياة وفي العمل، وقد تنتمي جزئياً إلى فصيلة البشر، فتجد ما يسدّ رمقك، بعد معارك ضارية تتمكن من سحب حبل الحياة إلى ناحيتك قليلاً فلديك خيارات كثيرة للخروج من سجنك المؤبد، ولكن عليك أن ترى بأم عينك المحتل وهو يزرع مستوطناته في أرضك ويحرق صغارك ويترك رماده في كل مكان في حياتك، لتتذكر أنه موجود ليحرق كل ما يخصك، وما عليك سوى أن تتعلم سياسة ضبط النفس وأن تنتظر ما لا ينتظر.
وإما أن تكون لاجئاً متنقلاً بين بلاد العالم، كشجرة معلقة بين الأرض والسماء لا تعرف مكانها، تسمع عن بلادك ولا تراها، وتقرأ في نشرات الأخبار عن أهلك الذين تحتاج لعمر آخر كي تعرفهم، تظل هائماً لا تعرف إلى أين، فكل الدروب لا تؤدي إلى الوطن، وكل المشاعر يعمها صخب حكايات ستين عاماً من النكبة، وأنت منصت لحكايات الأهل والأجداد ومزايدات حبال السياسة وسيل من التهم التي تنصب يومياً على رأس الفلسطيني «المتهم» بذنوب القيادات والأحزاب والتوجهات والطبخات السياسية، مفصولاً عن البشرية مؤقتاً لحين إشعار آخر.
كل ذلك تذكرته عندما خرجت من عملية جراحية وآلمتني مواجع يدي اليمنى، ودمعت عيني.. فقال لي الطبيب يومها: «الفلسطينيون لا يبكون» فقلت له أنا لا أبكي ولكني أتوجع..
يقول الشاعر الفلسطيني محمد درويش
حاصر حصارك .. لا مفر
اضرب عدوك لا مفر
سقطت ذراعك فالتقطها
وسقطت قربك فالتقطني
واضرب عدوك بي
قتلاك أو جرحاك فيك ذخيرة
فاضرب بها
فأنت الآن..
حر وحر وحر

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٣٥٢) صفحة (١١) بتاريخ (١٧-٠٨-٢٠١٥)