* إن حجم الفساد الإداري والمالي في العراق وصل لمستويات غير مسبوقة في تاريخ العراق الحديث، إن على مستوى الوزارات التي توجه أكثر أصابع الاتهام لوزارة الدفاع التي عقد مسؤولوها صفقات مليارية وهمية أيام حكومة نوري المالكي..

تفاجأت النخب السياسية في كل من بغداد وبيروت بتحركات شعبية لامست سقوف المحاصصات الطائفية والمذهبية اعتراضاً وذهبت بعيداً في موضوعين مختلفين شكلاً ومتلاقيين موضوعاً: انقطاع الكهرباء عن مدن العراق خصوصاً بغداد، وتراكم القمامة في شوارع بيروت والمدن الرئيسة، ما أوقع الساسة في حيرة من أمرهم إزاء التعاطي مع تحركات جديدة نوعاً ما على الحياة السياسية في كلا البلدين، وذلك عندما بدأ الشارع في البلدين بتجاوز الخطوط الحمر المرسومة له في نظام المحاصصات، وتسليط الشعارات على الفساد المستفحل والمتأصل في هياكل النظام الإداري في الدولتين. فما الذي استجد على وقائع الأمور في العراق بعد 2003 تاريخ إسقاط النظام السابق على أصوات الجيش الأمريكي، وماذا جرى للمزاج اللبناني الذي تعايش مع المحاصصات الطائفية منذ الاستقلال قبل نحو سبعة عقود؟
تفيد المعلومات متعددة المصادر أن حجم الفساد الإداري والمالي في العراق وصل لمستويات غير مسبوقة في تاريخ العراق الحديث، إن على مستوى الوزارات التي توجه أكثر أصابع الاتهام لوزارة الدفاع التي عقد مسؤولوها صفقات مليارية وهمية أيام حكومة نوري المالكي، مروراً بالوزارات الأخرى، وصولاً إلى التوظيف الوهمي خصوصاً في الجيش والقوات الأمنية التي يفترض أن تكون الأكثر انضباطاً في أي بلد يريد الاستقرار وبسط السلم الأهلي على كل المناطق والمحافظات والتفرغ للتنمية المستدامة. ففي هذا البلد المنكوب بالإرهاب والفساد، تسجل هيئة النزاهة العراقية أن البلاد خسرت نحو 250 مليار دولار في السنوات الخمس التي أعقبت سقوط النظام السابق، وتواصلت حالة نهب المال العام لدرجات لم تعد مؤسسات الدولة قادرة على إنجاز الخطط لغياب الأموال اللازمة بسبب عمليات السطو ونهب المال العام، بما فيها قطاع الكهرباء الذي شكل العنوان الواسع للتحركات الشعبية التي شهدتها مختلف المناطق العراقية بعد أن وصلت درجات الحرارة لنحو 54 درجة مئوية بينما ينقطع التيار الكهربائي في أغلب ساعات اليوم.
وفي العراق أيضا يتم تهريب ما بين 300 ألف إلى 500 ألف برميل نفط يومياً، فيما يصل إجمالي ديون العراق للشركات النفطية العالمية إلى أكثر من 20 مليار دولار، في بلد يشكل دخل النفط فيه نسبة تقترب من 90 % من عائدات الموازنة العامة، ما يعني فشل التنمية طوال العقود الماضية وترديها أكثر بعد إسقاط نظام صدام حسين. لن نتحدث عن الأزمات الأخرى التي خلفها الفساد المالي والإداري سواء كانت نسب البطالة أو انزياح فئات واسعة من الطبقة الوسطى للفئات المحدودة الدخل والمعدمة بسبب الفساد في نظام المحاصصات الذي يدشن اليوم مرحلة جديدة خطرة عنوانها إرهاب الدولة الإسلامية في العراق والشام «داعش» من جهة، ومن جهة أخرى، الفساد الذي يلتهم أغلب عائدات العراق، الأمر الذي جعل أغلب العراقيين يؤيدون الإجراءات الإصلاحية التي أقدم عليها رئيس الوزراء السيد حيدر العبادي التي بدأها بإلغاء مناصب نواب رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، وتقليص المستشارين في الدواوين الثلاثة: رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء والبرلمان، والاستغناء عن مناصب المديرين العامين في عديد من الشركات الحكومية التي ضربها الفساد، وكذلك تشكيل لجنة تحقيق في الكيفية التي تم من خلالها تسليم مدينة الموصل ومحافظة الأنبار لتنظيم داعش منتصف العام الماضي.
أما في لبنان، وبعد أكثر من شهر على تراكم القمامة في الشوارع وخروج الناس هناك للشوارع احتجاجاً على الجرائم المرتكبة ضد البيئة برمي النفايات في الغابات والأودية ودخول مافيا الفساد على خط استنزاف الموازنة المتهالكة في بلد لايزال قوس الحرب الأهلية مشدوداً فيه ويهدد بسقوط السلم الأهلي الهش والاستقرار الاجتماعي، الذي لا يعرف سر استمراره إلا اللبنانيون، في أي لحظة يمكن لأحد الأطراف ارتكاب حماقة غير محسوبة، فإن الحال ليس أفضل من العراق بكثير إلا من ناحية أن اللبنانيين قد تعودوا على غياب الدولة ومؤسساتها والركون إلى أمراء الطوائف الذين استمروا في مناصبهم منذ اندلاع الحرب الأهلية في أبريل 1975 بحادث حافلة الرمانة. منذ زمن طويل يعاني لبنان اليوم بلا رئيس جمهورية، وبحكومة تصريف أعمال تعاني من التجميد، وبمجلس نيابي غير قادر على انتخاب رئيس للبلاد وغير قادر على التشريع، الأمر الذي يضع أزمة النفايات في خانة عناوين الأزمة اللبنانية المستفحلة التي تدخل فيها التنظيمات الإرهابية على خطها لتخلط الأوراق من جديد وتعيد تموضع موازين القوى نسبياً، بينما تتفاعل قضية إلقاء القبض على واحد من قيادات الجماعات المسلحة التي واجهت الجيش اللبناني وقتلت عديداً من عناصره، بتخريجات تشطب اعترافاته الخطيرة على زعماء طوائف كانوا يقدمون له التمويل المالي وتسليح عناصره.
ربما تقرع أزمتا العراق ولبنان جرس إنذار قوي للدول العربية التي تبدو هادئة، لكن جمر الأزمة السياسية والمعيشية يعتمل تحت رماد الفساد المالي والإداري والمحاصصات الطائفية والمذهبية والجهوية وعدم الاعتراف بحق المواطن في مشاركته الفاعلة والحقيقية في صنع القرار السياسي في بلاده بسبب التهميش المتسع نطاقه والإقصاء الذي لم يعد مقبولاً في الألفية الثانية من القرن الواحد والعشرين.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٣٥٦) صفحة (١١) بتاريخ (٢١-٠٨-٢٠١٥)