الباحة ليست جاذبة فقط في الصيف، بل جاذبة في كل المواسم، إلا أننا نلحظ تكريس اهتمام المسؤولين في الصيف، مما يخلق وهماً بأن الباحة بدون «صيف» تتضعضع مكانتها، وتقل أهميتها السياحية، وهذه إشكالية تزيد في ترسيخ هذا المفهوم، ولربما تشبه هذه المشكلة، حكاية الفيل الذي وُضعت في إحدى رجليه كرة حديدية ضخمة لا يمكن أن يتجاوز دائرة محددة، ومكث على هذه الحال لفترة زمنية طويلة، بعدها سُحبت الكرة الحديدية لتُستبدل بكرة خشبية خفيفة، وبقي الفيل لا يراوح الدائرة التي تعوّد المكوث بها، أما لماذا؟ لأنه تشكلت لديه القناعة، واختزلت في عقله الباطني، وأصبح يتصرف بما تعوّد عليه في الماضي، وها هي المصالح الحكومية تركز وتكثف جهودها في فصل الصيف، وكأن الفصول الأخرى ملغاة من قاموسها العام، وكأنها لا تتواءم مع ذائقة كثير من الناس، سواء كانوا زوارا أو سياحا، وهذا الحكم المسبق أصدرناه بمحض إرادتنا، وصدقناه وطبقناه وفرضناه على غيرنا، علماً بأن هناك من يسيح في أرض الله الواسعة صيفاً وشتاء، ربيعاً وخريفاً، بل إن الباحة ذات ميزة في الشتاء، حيث ملاءة الضباب تضفي جمالا أخاذاً على ذرا جبال السروات، فدرجة الحرارة ليست بتلك القسوة كي يصعب تحملها، كما هو موجود في مناطق تنخفض بها درجة الحرارة إلى ما دون الصفر، فلِمَ لا تُفتح أبواب السياحة في جميع فصول السنة؟ سيما وأن المنطقة أيضا ذات مزايا مناخية ونباتية وطبيعية متباينة، بين دفء أودية تهامة، واعتدال مناخ جبال السراة، ولطف الطقس في بادية العقيق، ولمّا كانت الباحة قادرة وبامتياز على أن تكون سياحية في جميع المواسم، فإن ذلك يدفع بالمخططين والمسؤولين التحرك في هذا الاتجاه، لأن السياحة أضحت الخيار الأهم إلى جانب الزراعة المقننة، التي ترفد السياحة وتزيد من أهميتها وألقها.
ولمّا كانت السياحة الخيار الأهم في الباحة فإن الجهود والرؤى والأفكار والمشاريع يُستحسن أن تتجه إلى هذا الهدف، فلمَ لا يُحدّد مكان مناسب لإقامة مشاريع سياحية ضخمة؟ أبراج فنادق بمستويات عالية، خدمات سياحية، وهناك من وجهة نظري مواقع مناسبة الأول: في غرب مدينة الباحة، والموقع الآخر بجوار متنزه رغدان في (حراية) والثالث في الفضاء الواسع بالقرب من براقة الموسى والمواقع مناسبة – في ظني- لعدة اعتبارات:
أولاً: لم ينتشر العمران بشكل كبير، أي أن هناك مساحات واسعة تحتاج لملئها بتلك المرافق والخدمات السياحية الراقية.
ثانياً: مرور الطريق الدائري بها مما يُسهّل الوصول إلى تلك المواقع من جميع جهات المنطقة، ومن خارجها أيضاً.
ثالثاً: إشراف الموقعين الأولين على المنطقة الانحدارية في تهامة، مما يوفر بعدا بانوراميا ممتعا، كإطلالات بهية على مد النظر.
رابعاً: وهناك ميزة لموقع «حراية» في كونها محاذية لمتنزه رغدان، الذي يستقطب ما يقارب 95% من زوار المنطقة بحسب دراسة ميدانية قبل عامين.
خامساً: الفضاء المكاني الواسع بين بني سار حتى شبرقة، فضلا عن قربه من المدينة الرياضية المزمع إقامتها في شمال مدينة الباحة.
ولتكن المواقع مستثمرة سياحيا، يليق بمنطقة واعدة هي الباحة، ويتناغم مع التنامي العمراني والسياحي الذي تشهده كافة مناطق المملكة.
لنعود ونقول بأن منطقة الباحة تُعد حقيبة سياحية غالية الثمن، إلا أن السؤال الجوهري هل نمتلك المفتاح الذهبي لهذه الحقيبة الماسية؟ وهل تتضافر الجهود وبدعم من الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني، لتكون الباحة منتجعاً سياحيا مثالياً متميزاً وعلى مدار العام؟ هذا هو المأمول الذي يتمناه الكثيرون يا سادة.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٣٥٩) صفحة (١٠) بتاريخ (٢٤-٠٨-٢٠١٥)