الأمير العجاجي احتوى الأزمة سريعاً بدبلوماسية القرن الـ 19

«أبا الليف».. آخر ما تبقّى من آثار منظومة الدفاع عن القوس البحري

برج «أبا الليف» يصارع البقاء (تصوير: نايف الضامن)

طباعة ١ تعليق

الدمام ـ الساحل الشرقي

وثيقة من الأرشيف البريطاني تكشف قصف برج دفاعي قبل 165 سنة

توصّل الباحث جلال الهارون إلى وثيقة خطية عمرها 165 سنة؛ توثّق مناوشة عسكرية عرَضية بين الدولة السعودية الثانية وبين قواتٍ بريطانية في الخليج العربي. المُناوشة لم تكن مقصودة، بل بدأت مرتجَلة من حرّاس برج أمني في البحر أطلقوا قذيفة ضدّ حامية بريطانية، ليأتي الردّ فوريّاً ويدمّر البرج.
الوثيقة محفوظة في الأرشيف البريطاني، وهي رسالة وجّهها أمير القطيف، في عهد الإمام فيصل بن تركي، إلى قائد الحامية كمندر رابنسن، يوضّح فيه موقفه تجاه ما حدث، بلغة دبلوماسية عالية، ويُنهي المشكلة.

مسرح الحدث

برج سيهات لا وجود له

برج سيهات لا وجود له

مسرح الحدث هو القوس البحري، الذي يمتدّ من الدمام حتى رأس تنّورة، أو ما يُعرَف بـ «خليج تاروت» اليوم. وتحديداً في الموقع الأثري برج «أّبَا اللّيف» الذي لا يعرفه إلا المتخصّصون والمهتمُّون بالآثار. وهذا البرج كان جزءاً من منظومة أمنية دفاعية في الحاضرة القديمة، تجسّدت في قلاع وحصون وأبراج ساحلية وبحرية، متوزّعة على امتداد القوس البحري. ولم يعد موجوداً منها ـ اليوم ـ إلا برج «أبا اللّيف» الآخذ في التآكل، ما لم تُبذَل جهودٌ جدية وحقيقية لإنقاذه.

علامات أرضية

قلعة صفوى اختفت بالإهمال

قلعة صفوى اختفت بالإهمال

ويصف الباحث الهارون برج «أبا الليف» أو «بري أبا الليف» بأنه «برج عسكري مخروطي الشكل مبني من الحجارة البحرية «الفروش» ومكسو بطبقة من الجص «الجبس» والنورة «الكلس». يضيف «يُصنَّف هذا البرج معمارياً على أنهُ علامة أرضية مميزة (Landmark)، نظراً لما يتمتع به من شهرة تاريخية كبيرة بين الأهالي في موقعه من الخليج، وكان السكان في هذا الساحل يتناقلون عديداً من الروايات والأساطير حول هذا البرج، فيقولون إنه كان جزءاً من نسيج مدينة قديمة محصنة تسمى «الرباط» دُمِّرت بعد أن دكتها مدافع برتغالية، فهجرها سكانها ودرست معالمها، ولم يبقَ اليوم من تلك المدينة الأسطورية إلا أساسات البرج الحجري الذي تغمره مياه البحر أثناء المد».
كان البرج جزءاً من المنظومة الأمنية، وجزءاً من العلامات الأرضية، التي كان البحّارة يحدّدون بها المواقع المتاخمة، ومن أهم تلك العلامات قلعة صفوى وقلعة القطيف وقلعة دارين وقلعة عنك وقلعة سيهات وقلعة الدمام.

قصف البرج

قلعة دارين لم يعد لها وجود

قلعة دارين لم يعد لها وجود

يضيف الهارون «على الرغم من تتبعي لتاريخ برج «أبا الليف»، وما كتب عنه في مختلف المصادر والمراجع المنشورة لا أتذكر أن أحداً من الكُتاب نشر وثيقة تاريخية واحدة تثبت بعضاً من ذلك التاريخ المفقود». ويقول «إلا أننى عثرت مؤخراً في الأرشيف الوطني البريطاني على وثيقة بخط اليد تثبت شيئاً من ذلك التاريخ وقصة التدمير الذي لحق بالبرج نتيجة قصف بواسطة سفينة إنجليزية».

حُرَّاس وسفينة

الوثيقة مُحرّرة في غرة ربيع الأول عام 1271هـ، (نوفمبر 1854) وهي رسالة وجّهها أمير القطيف إلى قائد السفينة الإنجليزية لحّل مشكلة مناوشة غير مقصودة حدثت بين حُراس برج «أبا الليف» وبين السفينة. أمير القطيف، وقتها، هو محمد بن علي العجاجي، وكان ممثّلاً للدولة السعودية الثانية في عهد الإمام فيصل بن تركي الذي تولّى الحكم على فترتين، الأولى بين عامي 1250 و1254، والثانية بين عامي 1259 و1282هـ.
كان حكم أمير القطيف، في تلك الفترة، يمتدّ على طول الساحل. وليلة المناوشة ـ حسب الوثيقة ـ كان العجاجي في مهمة عمل بالدمام. وبقياس ذلك الزمن؛ كان الانتقال من القطيف إلى الدمام يتطلّب يوماً كاملاً تقريباً، فضلاً عن الجهد. ولذلك؛ فإن ما يحدث في أيّ منهما قد تتأخّر معرفته إلى اليوم التالي. وحين اشتبه حُراس «برج أبا الليف» في السفينة الإنجليزية بادروا بإطلاق قذيفة مدفعية تجاهها، دون الرجوع إلى الأمير. ولذلك حدث ما حدث.
يقول العجاجي مخاطباً رابنسن معبّراً عن استيائه مما حدث «صاحبك قد كان في الدمام آخر تلك الليلة لبعض الواجب، فلما حصل الوصول للبلاد آخر نهار الحادثة بلغني أن أبا الليف قد ثار منه مدفع فدخلت عليَّ الإساءة من أجل ذلك جداً». وهذا يعني تسجيل موقفٍ في لغة الدبلوماسية الحالية. وبعد تسجيل الموقف كشف الأمير لقائد السفينة عن إجراءاته، فقد حقّق في الواقعة.. يقول «أرسلت إليه رجال أرى دَعْوَهْ ولم أقبل عنه عذراً، إذ كثرت منه الأعذار». ويوضحّ نتيجة التحقيق «عذره أنه غشيم لا يعلم ما قد تأكد… وقد جاهْ من العقوبة ما قد كفاه منا».

احتواء الأزمة

طبقاً للوثيقة المكتوبة بخطٍّ واضح؛ فقد نجح الأمير العجاجي في احتواء ما حدث على نحو سريع، وتحجيم الخسائر، وتجنيب الناس مواجهة عسكرية غير متكافئة مع القوات البريطانية، التي كانت تتجوّل في مياه الخليج العربي بشكل لافت، خاصة أن أطماعها كانت مركّزة على حواضر الخليج العربي كله بعد إزاحة البرتغاليين والهولنديين منها، وفرض هيمنتها وحمايتها على بعض الحواضر.

لِيْف

ليف

ليف

ورد اسم البرج في شكلين «أبو اللّيف» و «أبا اللّيف»، وكلاهما معنى واحد. وحتى الآن لا توجد معلومة دقيقة تربط سبب التسمية الغريبة. و «اللّيف» جمع «ليفة» وهي النسيج المحيط بقاعدة سعف النخلة. وكان الليف خامةً تُصنع منها الحبال، أو للتنظيف. وقد تُستخدم وقوداً في إشعال المواقد البدائية.
وهي سريعة الاشتعال والانطفاء. ولذلك قالوا في المثل «ضَوْ لِيفْ»، لمن يغضب سريعاً ويهدأ سريعاً، والمقصود أنه مثل نار الليف التي تشتعل وتنطفئ بسرعة.

نص الرسالة

أصل الرسالة في المتحف البريطاني

أصل الرسالة في المتحف البريطاني

بسم الله تعالى
من محمد بن علي العجاجي
إلى جناب ذي المودة والصفا وذي المروّة والوفا صاحبنا المكرم الأحشم كمندر رابنسن المحترم

ما زال محروساً من طوارق الزمان مساعداً حيث ما كان. ثم في أبرك الساعات وأشرف الأوقات ورد علينا كتابك المشرف، وما ذكرت كان لدى المحب معلوم، والصواب كما ذكر جنابك أنه لم يحدث بيننا وبينكم نزاع، ونرجو أنه لم يحدث ما يناقض الصحبة والصداقة حاضراً.
وإني ثم ليحيط به شريف سمعك من وجه الاعتذار بحقيقة الخبر ورأي الأبصار من كون المدفع الذي ثار من برج «أبا الليف»؛ فلا يخفى على جنابك أن صاحبك قد كان في «الدمام» آخر تلك الليلة لبعض الواجب، فلما حصل الوصول للبلاد آخر نهار الحادثة بلغني أن «أبا الليف» قد ثار منه مدفع، فدخلت عليَّ الإساءة من أجل ذلك جداً، حتى أرسلت إليه رجال أرى دعوه ولم أقبل عنه عذراً، إذ كثرت منه الأعذار.
وحقيقة عذره أنه غشيم لا يعلم ما قد تأكد وتصحح بين السركال الأفخم من الصحبة القديمة، وقد جاهْ من العقوبة ما قد كفاه منا، ومما وافق له من المواشي بمقتضى تثويرهم على البرج أنه قتل رجلْ ممن فيه وصوّب رجلْ.
فالذي في الخاطر والمؤمل ألا يكون في نفس الصاحب حرج من أمر قد جرى على غير الاختيار، والتسامح مرجواً من جنابك مع اتصال. خالص الوداد وصفا الاتحاد. وكفى به ختام ودُم سالم محروس والسلام.
حرر في غرة ربيع 1 سنة 1271هـ.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٣٦٣) صفحة (٩) بتاريخ (٢٨-٠٨-٢٠١٥)