أنت على موعد مع الماء والخضرة والوجه الحسن، كل زاوية وكل جبل شامخ يهمس في أذنك أنه بكر، الطبيعة فيها أجمل، الناس أبسط والطرقات أكثر هدوءا..

في اللحظة الأولى التي تطأ فيها قدماك تلك الأرض البكر، ينتابك شعور بالراحة الربانية المدفونة في أعماق الروح المتدلية جدائلها كمداً على حالها المثخنة بجراح أخرى متعددة المصادر والهموم. تستقبلك الشوارع، التي أرخيت للتو قدميك عليها، شواهد متناثرة وأنت تعبر الطريق للمدينة الموعودة بحياة أخرى. أنت الآن في الطريق إلى موستار قادماً من مطار سراييفو لتبدأ رحلة خارج التقويم حين تشق طريقاً بين الجبال التي يخترقها نهر «فرباس» معانقاً الأشجار الممتدة من السفح حتى أعالي الجبال.
ربما كانت مجزرة سربرنيتسا في يوليو 1995 وراح ضحيتها أكثر من 8000 شخص من أبناء البوسنة والهرسك التي استمرت لعشرين يوماً مارست فيها وحدة العقارب الصربية إبادة جماعية لم تشهدها أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، هي الأشهر في مجازر الحرب المجنونة من حيث العدد والوحشية واستذكار العهد النازي في معسكرات الاعتقال حتى التجويع والموت عطشاً. عرت تلك المدينة إنسانية الأمم المتحدة التي كانت قواتها تتفرج على اغتصاب النساء البوسنيات، وربما شارك بعض قواتها في المذبحة في تلك المدينة الجبلية شرق البوسنة.
كل الشواهد تتحدث عن سلسلة مجازر ارتكبت في الحرب المجنونة، وكأنها تحاكي سلسلة الجبال وتوازيها عدداً. ربما لم يسمع كثيرون عن تلك المجازر المتناثرة بين جنبات البيوت وفي الحدائق.. وربما لم يسمع أحد بها فربما اختف الشهود في المجزرة وبقيت شواهد قبورهم شاهدة على بشاعة الجريمة.
***
كأن أنهار الجنة تنبع من شلالات كرافيتسي التي تحتضنها منطقة ليوبوشكي في أعالي الجبال المطلة على مدينة موستار. هناك، فوق قمم الجبال، أنت على موعد مع الماء والخضرة والوجه الحسن. كل زاوية وكل جبل شامخ يهمس في أذنك إنه بكر. الطبيعة فيها أجمل، الناس أبسط والطرقات أكثر هدوءا.
تتدفق المياه من أعلى القمم. تحتويها قمة مستوية لتشكل بحيرة تستقبل المياه من أعلى عليين وسط بهجة المصطافين المتلهفين لقطرة ماء. نزل الجمع، أغلبهم لم يبدل ملابسه، بينما أهل البلد تحضروا لاستجمام يغسل ما علق في الذاكرة من هموم المجازر وويلات الحرب. هنا، أين ما وليت وجهك ثمة شواهد تذكرك بالمجازر.. شواهد صارت جزءا من معالم البوسنة تضم رفاة الشباب والأطفال وقود الحروب المتناسلة. هنا تكثر النساء العاملات، بينما يفترش الرجال كبار السن مقاهي مصفوفة تتناسل هي الأخرى لتستوعب الجميع.. الشيوخ وجرحى الحرب والشباب العاطل عن العمل.
***
تلك القادمة من بلاد تكثر فيها الآلة الصغيرة، أرخت جسدها للشلال وراحت تمارس «الريكي». كفاها الممدودتان كأن مياهاً تحركانها للأعلى بهدوء المتعبدة الناسكة.. ترتفع الكفان إلى الأعلى شيئا فشيئا.. تدعو إله الماء أن يحفظ ما تبقى لها من حلم حطم الزمن والآلهات أغلبه.. تتسمر تحت الماء القادم بقوة على جسدها وتغسل روحها من أوثان الآلهة المشوهة التي تقبض على الأرواح هناك حيث ينكمش التنفس حتى الاختناق. فرغت شحنات الغضب واليأس وارتخت في موجة رقص على صدر البحيرة.
***
سبحان الذي صور وسبحان الذي حفظ. بلاد تخرج من رحم القتل لتغني للحياة. تدفن الموت وتمضي مشغولة بالتكيف بالغد القادم وسط بحر تتلاطم أمواجه في كل الاتجاهات. وحده الربان الماهر قادر على ركوب الموج وهي تلطم السفن الراسية المتكاسلة على خد الميناء.
الحور العين لسن وهماً هنا ولا حلماً يتوهمه المأزومون المحشورة أدمغتهم بين أفخاذهم وتحت أحزمتهم الناسفة. الناس هنا لا يعانون العقد القابعة في أرواح القادمين من مدن الملح وغابات الخرسانة. وجوه الناس هنا ينتابها قلق الغد، لكنها لا تنظر خلفها كثيراً للشواهد المتوارية بين الأشجار المثمرة. صحيح أن التضاريس فعلت فعلتها على الوجوه وحفرت تضاريسها عميقا، لكن الصحيح أيضا أن توثبا يشوبه قلق على بلاد تريد محو المجازر من ذاكرتها.
عاشقان يخرجان من عمق البحيرة. يحتضنان جسديهما حتى الثمالة ولا يلتفتان إلى المتلصصين القادمين من كهوف التاريخ. فعلتهما تحتقر الموت المفروض على بلادهما فيقرران أن حياة ما بعد الموت والحرب أبهى، قالت قبلة العاشقين.
***
كروم العنب الحاضرة للعصر تلاصق أجساداً دفنت على عجل وبقيت الشواهد تذكر بالدم المسفوك. ثمة شك في شرعية المشهد: كيف تلتصق الكروم المحضرة للعصر والتخمير مع الجثامين الطاهرة المطلية أغلبها بالأبيض، بينما بعض الأجساد الجماعية غطيت بالرخام البني الداكن.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٣٦٤) صفحة (١١) بتاريخ (٢٩-٠٨-٢٠١٥)