في زمن مضى -أي قبل ثمانين عاماً- كان التركيز الأكبر للدولة هو في القضاء على الثالوث المفجع (الفقر، المرض، الجهل)، واستمرت الجهود في سبيل اجتثاث أضلاع مثلث الموت باعتبارها متلازمة وكل جانب يؤثر ويتأثر بالآخر، ولنأخذ واحداً منها وهو المرض الذي كانت تعاني منه المجتمعات، حيث تداهم بعض الأمراض الوبائية الأرواح البشرية لتقتطف أنفساً وتحيل أصحابها إلى المقابر، ولمّا كانت المستجدات الطبية تتنامى مع تطور الفكر الإنساني، أصبحت الدول معنية ليس فقط باجتثاث الأمراض، بل بتوفير الصحة الجسمية والعقلية والنفسية، مما يعكس عنها الاستقرار الاجتماعي، والاطمئنان الروحي، وكانت المستشفيات والمراكز الصحية والمدن الطبية تقوم بهذه المهمة فضلاً عن استقدام كثير من الأطباء والطبيبات والممرضين والممرضات وتوفير الأجهزة الطبية وافتتاح كليات الطب، ورغم هذه الجهود الملموسة إلا أن الحاجة تتزايد مع تنامي الحياة الاجتماعية، والظروف الحياتية، فالطموح أكبر لتوفير خدمات طبية أرقى كماً ونوعاً، ومنطقة الباحة حققت مستوى طيباً في هذا الخصوص، إلا أن بقاء مستشفى الملك فهد بذات المستوى دون تطوير يثير شيئاً من استغراب مستفيدي الخدمة سواء كانوا من أهالي الباحة أو من الزوار، لاسيما أنه يصنف من المستشفيات المرجعية، والمسؤولون في وزارة الصحة صرحوا بأن هاجسهم رفع المستوى العلاجي والطبي في جميع المستشفيات المرجعية، وإذا كان مستشفى الملك فهد في الباحة بهذا الحجم الكبير ويخدم شرائح من المجتمع فإن الاحتياج ملح لرفع مستواه، حيث إن بإمكاناته المتاحة سيكون عاجزاً عن تلبية الاحتياج الفعلي ليصنف كمستشفى مرجعي متميز، ونركز على كلمة (متميز)، مما يدعو وزارة الصحة إلى رفد ميزانية المستشفى ليقوم بدوره، خدمة للمرضى وبدرجة عالية المستوى للخدمات الطبية والعلاجية، ويُقلص نسبة الإحالات إلى مستشفيات أخرى، وبرغم أن الأهالي حتى وقت قريب كانوا ينظرون بكثير من الأمل والطموح إلى البرج الطبي، المنشأ حديثاً، إلا أنه مع الأسف الشديد تحول إلى عيادات، وتبخر الأمل في كونه سيكون مركزاً علاجياً متطوراً لعلاج أمراض القلب والأوعية الدموية، كما خُطط له وأُعلن عن ذلك ساعة وضع حجر الأساس للبرج وأصبح هيكلاً إسمنتياً وزجاجياً ضخماً، مما يجعلنا نتساءل: لماذا تتغير خطة موضوعة ومتفق عليها مع مرور الزمن إلى ما هو أدنى؟ في الوقت الذي يزيد الاحتياج إلى خدمات طبية راقية تليق بمكانة دولتنا التي تصرف مبالغ ضخمة من أجل صحة المواطن، وتتناغم مع التطور الطبي الذي تشهده دول العالم المتقدم، وحين عجز البرج الطبي عن أن يقوم بالمهمة التي من أجلها أنشئ؟ فإن وزارة الصحة مطالبة بأن تنشئ مرفقاً طبياً متطوراً، لاسيما أن منطقة الباحة تشهد تزايداً سكانياً، مما يجعل الطلب ملحاً بل ضرورياً، وفي اللقاء الصحفي الذي جمع مدير عام الشؤون الصحية الدكتور غرم الله سدران، وكبار القياديين في إدارته مع إعلاميي الباحة، تحدث عن خطة صحة الباحة لخمس سنوات مقبلة، وهذا اللقاء ينمُّ عن رؤية صائبة وتفكير سليم وتحليل مهم للواقع واستشراف للمستقبل من منطلق التكامل بين الصحة والإعلام باعتبار الإعلام إحدى ركائز التنمية، إلى جانب البعد عن العشوائية في الأداء والضبابية في اتخاذ القرار، وشملت الخطة الرؤية والرسالة والقيم والاستراتيجيات والصعوبات ونقاط القوة ونقاط الضعف، لذا أتفق مع الرأي الذي يقول بأن العرض يدل على محاولة جادة وواعية لتطوير المستوى الصحي والعلاجي في الباحة، وقلت في ذات اللقاء بأنني ذات عام مضى وكنت وقتها في ميعة العمل الصحفي حيث زار معالي وزير الصحة الراحل الدكتور غازي القصيبي منطقة الباحة ضمن جولاته الميدانية، طرحت عليه سؤالاً عن مدى رضا معاليه عن الخدمات الصحية، ورغم أنه يُعد من الوزراء القلائل الذين سُرّ الأهالي بهم، ورغم الجهود المضنية التي قامت بها وزارته، وبرغم ما يمتلكه من ثقافة وحصافة ولباقة ووعي، اعتذر عن الإجابة، وهنا أحيل السؤال ذاته ليس للمسؤول بل للمواطن، ما مدى رضاه عن مستوى الخدمات الصحية؟ وبالتالي ينسحب إلى رضا المسؤولين عن الخدمات التي يقدمونها، ليس في الباحة فقط بل في جميع مناطق المملكة.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٣٦٦) صفحة (١٠) بتاريخ (٣١-٠٨-٢٠١٥)