إصابة رجلي أمن بقذيفة "أر بي جي" بمسورة العوامية

شُهود على التنمية يسردون قصة الربيع في الرأس البحري

الخفجي.. مرعى صنع منه النفط مدينة

منصات نفطية بحرية تابعة للخفجي

طباعة التعليقات

الخفجيأحمد غالي

«صنادق» الستينيات أصبحت فللاً.. والرأس البحري واجهة حدودية
أسّسها العُزّاب.. ولم تقطنها العائلات إلا بعد 1980
مغناطيس فرص العمل جذَب السعوديين من مناطق نائية

في أول زيارةٍ لها؛ وجدها أرضاً بكراً ليس فيها من المعالم إلا البحر. كان ذلك عام 1958. الزيارة الثانية كانت في1961، وفيها وجد شيئاً من الحياة يُريد أن ينمو، وجد بيوتاً بدائية وطرقاً رملية، معالم غير واضحة تماماً. كان الناس يتوافدون عليها متباطئين. وغالبية القادمين ليسوا سعوديين. أما السعوديون فهم من مناطق بعيدة.

عايض المالكي

عايض المالكي

هذا هو ملخّص قصة البداية التي وُلدت في «رأس الخفجي»، وشهد تفاصيلها عايض حسن المالكي الذي جاء أول مرة، بصفته موظفاً في شركة الزيت العربية المحدودة، ثم بقي فيها، واستقرّت حياته في الخفجي، ليكون واحداً من أقدم قاطني هذه المحافظة، وواحداً من شهود التنمية، وصولاً إلى استقرار الشكل الحضَري والإداري الراهن في الخفجي، وارتباطه بمراكز إدارية متناثرة من حولها.

كلأ.. وماء

الطريق المؤدي إلى الخفجي سابقاً

الطريق المؤدي إلى الخفجي سابقاً

قبل أكثر من نصف قرن لم تكن الخفجي أكثر من منطقة تنقل لأبناء البادية، الذين يبحثون عن الكلأ والماء لإبلهم وأغنامهم. عُرف الرأس البحري باخضراره في فصل الربيع بالذات، ووفرة موارد المياه فيه. بقيت الأرض على حالها حتى شهر ديسمبر 1957م الموافق لشهر جمادى الأولى 1377هـ. وهي السنة التي وقعت المملكة عقد اتفاقية الامتياز النفطي مع شركة البترول التجارية اليابانية المحدودة. وفي العاشر من فبراير 1958م تأسست شركة الزيت العربية المحدودة، التي بدأت ببناء قاعدة لعملياتها في رأس الخفجي، بسب موقعها المناسب للتنقيب عن البترول.
وبعد تدفق البترول كان لزاماً على شركة الزيت الاستعانة بالموارد البشرية لإنجاز أعمالها وبناء منشآتها، وإدارة الخدمات الأساسية. وهنا؛ تهيأت فُرص العمل أمام المواطنين الراغبين في الاستقرار والبحث عن عمل أفضل.
أصبح «النفط» مغناطيساً جَذَبَ الناس إلى الخفجي من شتى مناطق المملكة للعمل في الخفجي والبحث عن لقمة العيش. جاء أبناء الحواضر والبوادي إلى منطقة العمل الجديدة، ليشكلوا نواة مجتمع تجتمع فيه ثقافات متنوعة في مدينه يافعة، أخذت تنمو مع الأيام ويتزايد عدد سكانها.

ابن الصحراء

لوحة نادي العلمين الرياضي سابقاً          (أرشيف)

لوحة نادي العلمين الرياضي سابقاً (أرشيف)

كان عايض المالكي واحداً من هؤلاء. وحين جاء عام 1958، لم يرَ إلا البحر وحدود دولة الكويت الشقيقة. كان ثالث ثلاثة شكلوا فريق عمل، وجاءوا من مدينة الخبر في رحلة شاقة، من أجل ترسيم موقع شركة الزيت العربية آنذاك. ولم يدر بخلد ذلك الشاب اليافع ابن العشرين ربيعاً، أنه سيسطر حكايات ومواقف كتبت بمداد من الصبر والكفاح والمثابرة، على متاعب ومصاعب الحياة والمعيشة.
يقول المالكي لـ «الشرق»: بداية جئت إلى الخفجي سنة 1958 وكانت منطقة خالية تماماً من الناس وأي نوع من أشكال الحياة. وقد حضرت إليها مكلفاً من هندسية قبل قيام شركة الزيت العربية. بعد ذلك بدأت الشركة بالعمل وتوافد الناس إلى الخفجي من كل مكان، وغالبيتهم غير سعوديين، والسعوديون يأتون من شمال المملكة.
يضيف: عدت إلى الخفجي مرة أخرى عام 1961، وكانت بداية إنشاء الشركة، وبدأت الحياة تدبّ فيها شيئاً فشيئاً، ثم افتُتح مكتب بموظف واحد، ثم قسم للشرطة.
ويضيف: بعد مرور ما يقارب 15عاماً وتحديداً عام 1975م، أصبح عدد السكان حوالي 1000 نسمة، جميعهم عزاب. ولم تكن هناك أسر. كانت بوابة الشركة من جهة الصناعية عبارة عن خيمة يمر من أمامها العاملون. وقتها كان في الخفجي مجمعان سكنيان «سعودي كمب» و «كويتي كمب». كان إمداد المجمعين بالتيار الكهربائي مؤقتا، من وقت صلاة المغرب إلى الساعة التاسعة مساءً ثم ينقطع التيار.

وصول الأسر

مع مطلع الثمانينيات بدأ افتتاح بعض من الدوائر الحكومية من شرطة ومستوصف وبريد وأحوال مدنية وخلافهما، حيث كانت متجاورة، وكان موقعها بالقرب من محيط الشركة، ومن ثم بدأ بعض الموظفين بإحضار أسرهم وبناء بيوت «صنادق»، في حي «عشيرق» ثم أخذ عدد السكان في التزايد.
المنطقة كانت في بدايتها سابقاً وعرة والحياة فيها صعبة، حيث لا يتوفر فيها أقل المقومات المطلوبة، حتى الماء كان يصلنا بصعوبة، وكان ينقل بواسطة سيارة نصف مجنزرة حتى تستطيع تجاوز المناطق الصعبة، مثل الصبخات ومناطق الرمال الكثيفة.
وحين بدأت الأسر بالمجيء إلى الخفجي كانت الحياة بسيطة جداً، الناس كلهم يعرف بعضهم بعضاً جيداً، ويتزاورون مثل الإخوة. السعوديون والجاليات الأخرى.
بعد قيام الشركات فعلياً وبدء الإنتاج، أصبحت الخفجي محافظة متكاملة من لا شيء، وفي وقت وجيز أصبحت مدينة ناشئة بسبب الثروة البترولية الموجودة، ولولا هذه النعمة التي نسأل الله أن يديمها على بلادنا الغالية، لما كان هناك شيء اسمه الخفجي.

ابن البحر

فهمي السعدون

فهمي السعدون

الكابتن بحري فهمي بن حمود السعدون صاحب الـ 66 عاما، بدأ عمله في وظيفة الإرشاد البحري عام 1967 في شط العرب. يقول السعدون: جئت إلى المملكة عام 1982م بعد أن ساءت الأوضاع في زمن الحرب العراقية الإيرانية، فرأيت أن أرجع إلى المملكة، حيث يقطن أكثر عائلة السعدون، سواء في الرياض أو في الخفجي، ومكثت في الرياض عاماً كاملاً بالقرب من أحد أبناء عمومتي، وهو اللواء مشاري السعدون. وعندها نما إلى علمي عن طريق صحيفة الرياض عن احتياج شركة الزيت بالخفجي إلى مرشد بحري، وبالفعل ذهبت وأجريت لي مقابلة وتم الاطلاع على خبراتي ومؤهلاتي وتم تعييني مرشداً بشركة الزيت بمرتبة «24» وبقيت على وظيفتي من حينها حتى تقاعدت نظامياً.

مدينة صغيرة

فهمي السعدون في إحدى رحلاته بالسفينة

فهمي السعدون في إحدى رحلاته بالسفينة

ويضيف: عام 1982 كانت الخفجي مدينة صغيرة، وكان سكانها قليلين في حدود 30000 نسمة، والخدمات العامة فيها متوفرة ومحدودة، وشركة الزيت العربية كانت تغطي معظم النشاطات الاجتماعية والصحية والرياضية والثقافية، والمجتمع كان متآلفاً جداً، رغم اختلاف الشرائح الاجتماعية. وكان أجمل الأوقات فيها هو فصل الشتاء، حيث الطبيعة الخلابة والأرض تكون خضراء وتنتشر المخيمات ويكثر فيها وجود الفقع (الكمأ) وكانت أيامها ممتعة وخلابة.
ويقول: أما الخفجي اليوم فهي مدينة واسعة وصل عداد سكانها إلى 76 ألف نسمة أو أكثر، وفيها من الأحياء النموذجية الراقية ما لا تجده في كثير من المدن المتقدمة، مثل حي الخليج وحي الجوهرة وكذلك شارع الملك عبدالله التجاري والكورنيش الجميل الساحر والحدائق الغناء بجانبه بطول 6 كيلومترات تقريبا، وتكثر فيها الأسواق الجديدة، وكذلك المستشفيات الأهلية والحكومية، ولا تجد فيها أي إشارة ضوئية وفيها نشاطات اجتماعية وثقافية، حيث فيها كثير من المجالس والدواوين العامرة، حيث تجمع مختلف قبائل وشرائح المجتمع من جميع المناطق، و رغم هذا التنوع فالناس هنا يتعايشون كأسرة واحدة، ويتميزون بالطابع الاجتماعي العريق، القائم على المحبة والولاء والانتماء.
ويضيف: بفضل الله ثم بفضل تسلم شركة أرامكو لأعمال الخليج إدارة أعمال عمليات الخفجي المشتركة سنة 2000، كان له الأثر الكبير في هذا التقدم الهائل خلال الـ 15 سنة، من حيث نمو القطاعات التعليمية والصحية والسياحية في مدينة الخفجي، كذلك بفضل المبدعين من الكادر الإداري في شركة أرامكو لأعمال الخليج.

مدينة الزهور

في اللغة «الخَفَج» هو نَبْتٌ من نبات الربيع أَشهب عريض الورق، واحدته خَفَجَةٌ. ويروي لسان العرب عن أبي حنيفة قوله إن الخَفَجُ، بفتح الفاء، بَقْلَةٌ شهباء لها وَرَقٌ عِراضٌ. وربما كان ذلك سبب تسمية الخفجي بهذا الاسم، لانتشار نبات الربيع فيها.
والخفجي أجمل ما تكون في أيام الربيع، لامتداد صحرائها ووفرة مراعيها. وبعد مجيء الشركة اليابانية إلى المنطقة المحايدة، ومشاهدتهم مراعيها في الربيع أطلقوا عليها وصف «مدينة الزهور».
أما السكان المحليون فلديهم رواية أخرى، فكبار السن فيها يقولون «الخفسي»، وبعضهم «الخفقي». وربما كان ذلك إبدالاً. وربما سُميت بالخفجي لملوحة مائها فالخفيج الماء المالح في اللغة.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٣٧٠) صفحة (٨) بتاريخ (٠٤-٠٩-٢٠١٥)