عندما تناقش مَنْ وُلِدَ، وترعرع من إخواننا العرب المقيمين في مملكتنا الحبيبة، تجده يتحدث باللهجة السعودية، وحسب المنطقة التي وُلِدَ، ونشأ فيها، ويبادرك بمشاعر الحب والانتماء لهذا البلد، وإذا سألته من أين أنت؟ تجده يبتسم أولاً، ثم يقول: هذا بلدي، وُلِدتُ، وعشت، وتعلمت فيه، ولا أعرف غيره. وإذا تحدث عن عائلته قال: والدي، ووالدتي عاشا هنا منذ 45 عاماً، أو أكثر من ذلك. وإذا حدثك عن معاناته، تجد الحزن جليَّاً على وجهه، حيث يحدثك عن فقدانه وطنه، الذي لم يشاهده أبداً، ويرتسم الحب والولاء لوطن الأحلام على محياه، ويحلم بالبطاقة السعودية، حيث يفصح لك عن معاناته في العمل بقوله: مع الأسف أنا أعيش بينكم منذ 25 عاماً، وتعاملونني مثل الوافد، الذي وصل قبل شهرين، وليس لدي أي امتياز يذكر.
يقول أخي «الحضرمي»، الذي يعيش وعائلته بيننا منذ أربعين عاماً: قررت يوما أن أصطحب أبنائي إلى بلدي لأول مرة بالنسبة لهم، كي يتعرفوا على ذويهم، وعندما وصلنا المكلا، تفاجأت بعد ثلاثة أيام بمشاهدة عدم الرضا يبدو عليهم، فسألتهم عن ذلك، فقال أحدهم: شكراً يا والدي على اصطحابنا إلى هنا، لكننا نريد أن نعود إلى بلدنا «الرياض»، فقمت بإرسالهم، وبقيت لوحدي، وكم خجلت من أقربائي، وتمنيت لو أن الزيارة لم تكن.
جاءني يوماً أحد الإخوة المؤهلين ليتقدم على وظيفة مديرٍ للموارد البشرية، استبشرت خيراً به، وبعد المقابلة الشخصية قمت بتهنئته بالقبول، ففرح كثيراً، ثم طلبت منه المستندات الثبوتية كي يتم تعيينه على الفور، ففاجأني بأنه ليس سعودياً، اعتذرت له مع حزني لخسارة شخص مثله، فقال لي: أستاذي الكريم أنت لست الوحيد الذي يتفاجأ بكوني أحمل إقامة فقط، رغم أنني لا أعرف بلداً غير هذا البلد، الذي منحني الحياة فيه، ومازلت أبحث كي أرد هذا الجميل له.
مملكتنا احتضنت كثيراً ممَّن أجبرتهم ظروف الحياة على ترك بلدانهم سواء لأسباب سياسية، أو اجتماعية، وأبناؤهم لا يعرفون بلداً غير هذا البلد، وهؤلاء يستحقون مميزات تختلف عما يُقدم لنظرائهم من المقيمين، وفي أقل تقدير على مستوى العمل، بأن يعملوا دون كفيل، ويمنحوا إقامة دائمة، ويفتح أمامهم التعليم الجامعي، وإذا تجاهلناهم في العمل والتعليم، فستنتج عن ذلك انعكاسات خطيرة قد لا تخدم البلد، وللعلم نحن لسنا مثل الصين، أو الهند من حيث الكثافة البشرية، بل نحن دولة نامية وفي حاجة إلى جميع العقول.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٣٧٦) صفحة (٤) بتاريخ (١٠-٠٩-٢٠١٥)