* تقدر عديد من المصادر ومراكز البحث، ومنها الكونجرس الأمريكي، بأن حجم الفساد في العراق يصل إلى 100 مليار دولار سنويًا، فيما تعرضت البنى التحتية من كهرباء وماء وطرق وتطبيب وتعليم إلى عمليات تدمير وتخريب..

أن تتحول إيقاعات وأوزان أغنية شعبية عراقية خالدة إلى عملية تحوير في الكلمات لتتماشى مع الواقع المؤلم الذي يعيشه العراقيون اليوم من استشراء للفساد المالي والإداري، فهذا يعني أن الكيل قد طفح بالشعب العراقي، وأنه ليس بمقدوره الصمت أكثر إزاء عمليات النهب والاستيلاء على المال العام بغير بوجه حق. لذلك، وبدلاً من ترديد أغنية «عمي يا بياع الورد» الواسعة الانتشار في الخليج والمنطقة العربية، راحوا يرددون «عمي يا بواق النفط»، وخرجوا للشارع يهتفون ضد الفساد والمفسدين في أجواء غاضبة فاجأت النخب السياسية العراقية التي يخترق الفساد أغلبها.
ليس معروفاً عن الشعب العراقي أنه صاحب نكتة وطرافة، إنما المعروف عنه «حماوة الرأس» والغضب السريع، لكن انقطاع التيار الكهربائي أغلب ساعات اليوم في بلد طقسه صحراوي وتصل درجة الحرارة فيه إلى أكثر من 50 درجة مئوية، قادهم إلى الاعتصام والتظاهر وتحوير الأغاني بما يتلاءم والمناسبة. والمناسبة هذه المرة ليس تنظيم داعش الذي استولى على ثلث مساحة العراق ومعها نصف مليار دولار من مصارفها، بل استشراء الفساد للدرجة التي أضحى العراقيون يشمون السمكة من ذيلها للتأكد من أن العطب لم يصل لها بعد أن استشرى في الرأس وأجزاء كبيرة من الجسد.
تقدر عديد من المصادر ومراكز البحث، ومنها الكونجرس الأمريكي، بأن حجم الفساد في العراق يصل إلى 100 مليار دولار سنويًا، فيما تعرضت البنى التحتية من كهرباء وماء وطرق وتطبيب وتعليم إلى عمليات تدمير وتخريب، حيث تشير الإحصاءات والتقديرات إلى أن أكثر من 80 بالمائة من المؤسسات التعليمية قد أصابها العطب والتخريب منذ الغزو الأمريكي للعراق في 2003، وغادر العراق قرابة 40 بالمائة من الكوادر العلمية والأساتذة المتفوقين منذ العام 1990. وفي مدركات الفساد على المستوى العالمي يتبوأ العراق المرتبة الثانية قبل الأخير، وفق الشفافية الدولية. ويشير الرئيس السابق لهيئة النزاهة في العراق القاضي موسى فرج، إلى أن العراق كان يخسر سنويا 7.2 مليار دولار من تهريب ما بين 300 ألف إلى 500 ألف برميل يوميًا من النفط العراقي الخام، ويخسر مثلها من تهريب المشتقات النفطية، فضلا عن خسارة 600 مليون متر مكعب من الغاز سنويًا لا يتم الاستفادة منها، وإهمال نحو نصف الطاقة الإنتاجية من النفط وعدم الاستفادة منها، حيث يجري العمل في أكثر بقليل من 40 بالمائة من الآبار المنتجة التي بإمكانها إنتاج أكثر من 4 ملايين برميل في اليوم. ويؤكد فرج أن وزارة الدفاع هي البؤرة الأكثر فساداً في العراق، وأن الأمانة العامة لمجلس الوزراء أيام رئيس الوزراء السابق نوري المالكي هي التي تتحكم في العقود. من هنا يمكن فهم لماذا يحرم نحو 3 ملايين طفل عراقي من التعليم، وفق تقديرات منظمة «اليونسيف»، ولماذا يجري تحوير الأغاني الجميلة لتحاكي الواقع المر الذي يعاني منه الشعب العراقي في مختلف المناطق.
لكن العراق ليس استثناء في الوطن العربي من حيث استشراء الفساد وتعثر التنمية المستدامة. فهذا البلد لايزال يعيش حالة مستمرة من عدم الاستقرار الاجتماعي وخلل كبير في السلم الأهلي بسبب الاحترابات والصراعات الداخلية والتدخلات الإقليمية والدولية. إن أغلب البلدان العربية تتعثر تنميتها وتتعطل عملية النمو الاقتصادي والاجتماعي فيها، بينما يجري التعتيم عليها من خلال عقود العلاقات العامة الدولية وعبر تزوير الحقائق التي تفجرت هنا وهناك. وبسبب الفساد، ثمة ما بين 23 مليونا إلى 30 مليون مواطن عربي عاطل عن العمل، وأن نسبة البطالة تصل إلى أكثر من 23 بالمائة في المنطقة العربية، وفق تقديرات متعددة، تصل كلفتها إلى 50 مليار دولار سنويًا ومرجح لها في ظل هذه المعطيات أن تشهد زيادة، ما حدا بالخبراء التحذير من هذه الظاهرة، التي يقف الفساد وعدم القدرة على إنجاز المشاريع سببا رئيسا لها، حيث تحتاج المنطقة العربية إلى استثمار 70 مليار دولار سنويا لتوفير 5 ملايين فرصة عمل جديدة، في وقت يدخل إلى سوق العمل العربية سنويا نحو 3.5 مليون مواطن عربي، لكن هذه الأموال غير متوفرة بسبب الاستيلاء غير المشروع عليها.
إن الفساد المالي والإداري الذي يضرب أطنابه يسهم بشكل مباشر في توسيع قاعدة الفقر والبطالة والمرض وضياع فرص التعليم، حيث يصل إجمالي حجم الأموال المتداولة في عمليات الفساد في العالم العربي إلى ما بين 300 إلى 400 مليار دولار سنوياً طبقاً لتقديرات البنك الدولي الذي صنف العالم العربي وحالات الاستثمار والتجارة فيه بأنه من أكثر مناطق الفساد المالي والإداري في العالم. وتؤكد تقارير البنك الدولي على أن حجم الفساد المالي الذي يؤثر في الاقتصاد العالمي يصل إلى تريليون دولار سنوياً منها حوالي 30 % إلى 40 % بالعالم العربي فقط. إن هذا المبلغ الفلكي يكفي لتوفير أكثر من 20 مليون فرصة عمل في العام الواحد، أي أن تخصيص هذا المبلغ لمدة عام واحد فقط كفيل بالقضاء على ظاهرة البطالة». سراق المال كثر في الوطن العربي، والبطانات الفاسدة التي تحوم كالذباب على المال العام وممتلكات الدولة لن تتوقف عن امتصاص الأموال، إلا إذا بدء تقديمهم للعدالة لوقف هذا النزيف المدمر.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٣٧٧) صفحة (١١) بتاريخ (١١-٠٩-٢٠١٥)