الـ «كُرورو» طبخة خليجية لم تتغيّر منذ آلاف السنين

سرٌّ ساحلي يجمع الأسماك بالرُّمان في مائدة

يُتناول مع الرزّ الأبيض المشخول

طباعة التعليقات

الدماممعصومة المقرقش

مكوّناتها الغذائية أمدّت البحّارة والفلاحين بالطاقة
تراجعت الزراعة فلجأ الناس إلى الرمان المستورد
إنتاج كيلو جرام واحد يحتاج إلى ثمار 50 شجرة

السرّ المكنون في الطبخة هو بُهار الرّمّان الذي تُعده ربّات البيوت ولم يكن يُشترى من السوق. وهو سرٌّ موروثٌ عبر أجيال متلاحقة في الشريط الساحلي الممتدّ من عمُان حتى البصرة. ولذلك صمدت طبخة الـ «كُرْوْرُوْ» منذ آلاف السنين لتعبّر عن هوية ساحلية أصيلة، على الرغم من تأثّر المطبخ المحلي بثقافات غذائية متنوّعة، جرّاء وقوع الحواضر الخليجية في ممرّات القوافل والسفن التي كانت تربط العالم القديم بالهند والصين.
صمدت طبخة «الكُرُورُوْ» صموداً عجيباً، مُعبّرةً عن ملامح البحّار والفلاّح معاً. ذلك أنهما كانا أكثر احتياجاً لمغذيات الوجبة الغنية الثرية بمكوِّناتها الكثيرة، بدءاً بإدام السمك، وانتهاءً بالسوائل، مروراً بخليط البهار والخُضار.. وقبل ذلك كله؛ السرّ المكنون الذي توارثه الخليجيون: الكرورو..!

كُرُورُو

كراتُ الكرورو                                   (تصوير: علي العبندي)

كراتُ الكرورو (تصوير: علي العبندي)

يُقطَف الرُّمّان صغيراً وهو في مرحلة تكوُّن ثمرته. يُنشَر في الشمس حتى يجفّ جفافاً تاماً. بعد ذلك يُدَقُّ دقّاً حتى يتحوّل إلى طحين. وبعدها يُوضع فيه قليل من الماء، ثم يُعجَن، وتُجهَّز منه كُراتٌ صغيرة، وتُترك لتجفّ..
ببساطة هذا هو الكُرُورو «الأصلي». أما الكرورو «التقليد»؛ فهو تنفيذ كلّ هذه العمليات نفسها، ولكن مع قشور الرمّان الناضج..!
ويقول الباحث في التراث زكي الصالح إن طريقة الإعداد البدائية كانت تتم بوضع الرمان الصغير في ظرف من الخوص «خصفة»، ويغطى بليف مبلول، ويترك 40 يوماً حتى يتخمّر، بعد ذلك يتم تقليبه، ويترك مرة أخرى لمدة «20» يوماً؛ حيث يصبح عندها الرمان أسود اللون، يجمع من جديد، وينظف عن الأتربة، ويعجن بالماء ويكور كوراً متوسطة الحجم، ويعلق مجموعات مشكلاً عقداً مشبوكاً في خيطٍ واحد، ويعاد نشره في الهواء كي يجف تماماً، وإذا انتهت مرحلة التجفيف يدق في الهاون إلى أن يتحول إلى مسحوقٍ ناعم جاهز للاستخدام.

50 شجرة

سمك الجواف هو الأطيب في الكرورو لكن تناوله يحتاج إلى محترفين

سمك الجواف هو الأطيب في الكرورو لكن تناوله يحتاج إلى محترفين

لأن المناطق الخليجية الساحلية كانت، أيضاً، مناطق ريفية؛ فقد كان الرمّان متوفراً بكثرة. ولذلك كان إعداد الكرورو منزلياً عملية نمطية. ويقول علي البيابي، وهو مهتم بالزراعة، إن شح أشجار الرّمان الحالي جعل الأهالي يستوردون زهرة الرمان المجففة من سوريا فترة من الزمن لصنع مطبوخ «الكرورو» ؛ لكن مع استمرار الأزمة السورية الحالية لم يعد الأهالي يستوردونه كالسابق، معتمدين على قشوره التي يجففونها.
ويضيف: إن إعداد كيلو واحد من «الكرورو» يحتاج إلى ثمار أكثر من 50 شجرة. ويوضّح أن «الكرورو» الموجود في السوق اليوم ليس إلا قشوراً مطحونة تباع على أنها زهرة الرمان، مشيراً إلى أن هناك فرقاً بين الاثنين؛ حيث إن الزهرة تُعطي طعماً لذيذاً ولوناً بنياً غامقاً مائلاً إلى الأسود، والآخر يعطي طعماً أكثر مرارة ولوناً فاتحاً مائلاً إلى الصفرة.

تجفيف جديد

وبما أن الطرق التقليدية انقرضت؛ فإن هناك طرقاً جديدة للتجفيف، ويقول البيابي إنها تتم بتجميع قشور الرّمان الخارجية ومعها القشرة البيضاء الموجودة داخل الثمرة، ويتم غسلها جيداً، وتوضع في مصفاة حتى تتخلص من المياه. ثم يفرد قشر الرّمان على قماش في مكان له ظل قريب من أشعة الشمس، أي لا يتم تسليط قشر الرّمان للشمس، وذلك لمدة يومين، ثم يكسر قشر الرّمان ويحفظ في مرطبان؛ أو يتم طحنه ويحتفظ به وقت الحاجة.

توقيت دقيق

كرورو بسمك البياح

كرورو بسمك البياح

في النهاية الـ «كرورو» ثمر الرمّان صغير، ليس إلا. ثم ننتقل إلى المادة الجديدة «المدقوقة». ثم ننتقل إلى الطبخة؛ لأنها تقوم عليه، ومن دونها لا يُمكن أن تُعد. ويقول الصالح إنه لا يُوضع اعتباطاً في الطبخة، بل له توقيت خاص، بعد غلي المكوّنات الأخرى غلياً كافياً. ثم يُوضع بعد التوابل والفلفل الأسود وعصير الليمون في وعاء مُنفصل. وتُضاف نصف كمية التوابل للماء، يُتبل السمك بالكمية المتبقية من خليط التوابل؛ ثم يُوضع في الماء فور الغليان. وتُشق البامية بواسطة سكين حاد من المنتصف طولياً ثم تُضاف للسمك، تُخفف الحرارة ويُغطى الإناء ويُترك لمدة 20 -30 دقيقة أو حتى تمام النضج. ويقدم مع الأرز الأبيض المشخول.

نُضوج تام

شوك الهامور قليل ولحمه طيب

شوك الهامور قليل ولحمه طيب

هذا يعني أن الطبخة ليست سريعة، ولا يُمكن إعدادها على عجل. هي طبخة «مزاج» طويل وهادئ وصبور. ويُمكن أن يتسبّب التعجل بإعدادها في تحويلها إلى أكلة منفّرة وبشدة أيضاً. وفي المنطقة الخليجية تتمحور فكرة إعداد الوجبات البحرية إجمالاً على «النضوج التامّ». وليس كما هو حال بعض المجتمعات الآسيوية التي يمكن تناول الوجبات البحرية فيها نيّئة أو شبه نيئة. الخليجيون يُنضجون اللُّحوم إنضاجاً تاماً، واستخدام الملح والتوابل إحدى أدوات الإنضاج. ولكلّ وجبةٍ طريقتها في التمليح والتتبيل. والكرورو له طريقته الدقيقة. وعند الإخلال بأيّ مرحلة؛ فإن النتيجة تتأثّر. لذلك ليست كل امرأةٍ قادرة على إجادتها.

سمك قصيب

الهامور هو الأفضل على الإطلاق

الهامور هو الأفضل على الإطلاق

إدام الكُرورو المفضل على الأشهر هو سمك الهامور. ويمكن استخدام الأنواع الأخرى من الأسماك الكبيرة المعروفة بـ «القصيب»، مثل السبيطي، الحمام، السمّان، الكنعد، الشعري الكبير، بغل الهامور، البياح. وسكّان السواحل يعرفون أن أجود أنواع الأسماك التي يمكن إعدادها في الكرورو هو سمك «الجُواف». إلا أن المعضلة تكمن في أن هذا السمك صغير الحجم ومليء بالأشواك، ولا يمكن تناوله إلا من قبل محترفي تناول الأسماك.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٣٧٧) صفحة (٨) بتاريخ (١١-٠٩-٢٠١٥)