القصةُ القصيرةُ فنٌّ أدبيٌّ مراوغ، يحتاجُ إلى مبضع أديب ماهر، ورؤيةِ قاصِ بارع، يلتقطُ المواقفَ بحذاقةِ، ويصوغُ الكلمات بأناة، وحرفية أدبية عالية، ليبني جسد القصة بمكوناتها الأساسية، وتكتيكاتها المطلوبة، لتصل إلى المتلقي، وهي في حالة إدهاش، فتوقد الذهن، وتشعل التفكير، وتحقق المتعة والفائدة.
كما أنها- أي القصة – نص أدبي مخاتل يتم صياغته بالسرد وصفا وربطا لحدث أو مجموعة أحداث مع مراعاة التكثيف والإيجاز، للتعبير عن خلجة من خلجات الإنسان، بهدف الكشف عن جانب مضيء أو معتم على شريطة اختيار الشخصية المحورية، وكذا المساندة بهدف الإمتاع والتشويق وتحقيق الفائدة الفكرية والثقافية والاجتماعية.
والقصة قديمة قدم الإنسان، وقد حوى القرآن الكريم على كثير من القصص، وهذا يدلل على وجودها وأهميتها في الوعظ والإرشاد والعبرة. أما القصة بمفهومها الحديث فقد جاءت عن طريق الغرب، حيث برز عدد من القصاصين أمثال بوكا تشيو الإيطالي وجوجل الروسي وأنطوان تشيكوف الروسي وأدجار الأمريكي وغيرهم. ومن خلال الترجمة استفاد عدد من الكتاب العرب كيوسف إدريس ونجيب محفوظ. ولكون الثقافة قابلة للتمدد والانتشار فكثير من أدباء الوطن العربي استفادوا وقدموا أعمالا رائعة، سواء في المغرب العربي أو مشرقه، وإن بدأت القصة بشكل يغلب عليها الطابع الوعظي والمباشر، إلا أنها تنامت وتطورت من حيث الشكل والمضمون، وهناك عدد من المبرزين في المشهد الثقافي لا يستوعب المكان ذكر أسمائهم.
والقصة هي سلافة لتجارب حياتية تجيء في سياق لغوي، ينطوي على سلسلة من الأحداث تشكل وحدة ما، وقد تكون اجتماعية أو تاريخية أو عاطفية أو أسطورية أو علمية.
وكاتب القصة يبني عوالمه النصية منحازا إلى ما يتعلق بهموم وأوجاع الناس، حيث يلتقط الثيمات الاجتماعية ليوظفها ويبنيها، مراعيا تلازم وتماسك المدماك القصصي، بدءا من عتبة العنوان وموضوع القصة ولغتها واختزالها ودلالاتها ومفارقاتها ومراوغاتها.
بحسب قراءة المشهد الأدبي نلحظ، أن أي جنس أدبي يتنامى في وقت ويخفت في وقت آخر، وهذا الذي حدث للقصة القصيرة، فكانت رائجة مع نهوض الصحافة العربية، حيث يسهل نشر النصوص القصصية بحكم قصرها، فيما يصعب نشر الرواية لطولها، لذا يمكن نشرها بشكل مجزأ مما يصعب متابعتها. وهذا الذي زاد في رصيد القصة بتقديمها ككبسولة للقارئ في الصحف السيارة والمجلات، ولم يدم كثيرا حيث أصبحت الأخيرة صاحبة الصوت الأقوى والأبرز، ولربما أن الرواية تمتلك خطابات متعددة سياسية وتاريخية واجتماعية وثقافية، فضلا عن إمكانياتها في استيعاب التفاصيل الصغيرة والشخصيات المتنوعة والأماكن المتباعدة؛ لذا بعضهم يصفها بالنهر المتدفق، حيث يقطع مسافات جغرافية واسعة، فيما تمثل القصة القصيرة دوامة صغيرة داخل النهر، وهذا لا يقلل أبداً من جماليات القصة وقدرتها على التأثير، وأكبر دليل على ذلك ذهاب جائزة الآداب العالمية لكاتبة القصة الكندية أليس مونرو. وهذا الذي يؤكد وجود شريحة واسعة من المثقفين والهواة تولي القصة اهتمامها، وجاءت «القصة القصيرة جدا» وهي عبارة عن كبسولة مضغوطة ومكثفة من الكلمات القليلة، التي تختزل مساحة زمنية واسعة، وتعطي دلالات وتسمح بتشظي الأسئلة. بعضهم يعتبرها الميسم الجديد الذي يواكب التنامي السريع والانفجار المعرفي والتقني. وربما مشاغل ومشكلات الإنسان في مقبل الأيام تجعله يخضع لصيرورة الحياة، فيقبل على الأعمال الإبداعية المختصرة، التي ينفر كاتبها من الإطناب ومن التفاصيل الحياتية الوصفية ليوجز، تحتاج إلى قاص بارع، يلتقط الكلمات المناسبة بأناة وحرفة أدبية فائقة. ليشكلها في مضمومة قصصية قصيرة تكون أشبه بالومضة البارقة، ومن مميزاتها الغموض فهي عبارة عن لغز ثقافي مدهش ومستعص عن الفهم المباشر. توقد الذهن ليحاول القارئ أن يتهجاها ويفك رموزها ويفسر دلالاتها. ورغم هذا وذاك مازالت القصة القصيرة تعيش كنباتات خضراء صغيرة وغضة، تخشى أن تهشمها الأقدام القوية للرواية.
والقصة القصيرة حاضرة، ويمكن إشعال جذوتها، من خلال إدراجها ضمن المناهج الدراسية وتخصيص جوائز وتنظيم مسابقات، وعقد ملتقيات وإقامة ورش تدريبية عن القصة وأنواعها ومفاهيمها، فضلا عن توسيع الدراسات والتشجيع لتصميم مواقع إلكترونية، تجمع المهتمين بها، والمتذوقين لقراءتها.
القصة القصيرة هي الأم الرؤوم للرواية كما يقول الناقد العراقي الدكتور عبدالله إبراهيم. ولأن الفترة الراهنة التي نعيشها مليئة بالمستجدات التقنية، والاتصالات السريعة، التي أضحت تلازمنا في جميع الأوقات، ولا انفكاك منها، فإن القصة القصيرة تأثرت كغيرها من الأجناس الأدبية الأخرى، إلا أنها لم تخسر الرهان، فبوصفها رشيقة القوام يسمح بديمومتها ومواكبتها وانسجامها، إذ يسهل إرسالها في وقت قصير عبر الوسائط الإلكترونية، وتسهل أيضا قراءتها مما يُرجح كفتها ويُزيدها رسوخا وألقا وبقاءً.
ومضة: الباحة الغناء في موعد رائق «محرم القادم» مع كُتّاب القصة.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٣٨٠) صفحة (١٠) بتاريخ (١٤-٠٩-٢٠١٥)