يأمل كلُّ منا أن يقف على قنطرة أحلامه في مطالع الشمس ليراها مشرقة أمام عينيه، ليقف على شموخ منجزاته، بعد أن قفز على سياج التحديات وحقق طموحه، بعد أن أنجبت أفكاره مئات الأحلام، منها ما تحقق ومنها ما ذهب أدراج الرياح، وبذلك نظل يحدونا الأمل في تحقيق المزيد والمزيد طالما أن العمر ماضٍ في قطاره نحو الحياة.
ذلك الحلم الذي لا يمكن أن يحرسه أحد أو يمنعه عنا، فهو حقنا المشروع كهذا الهواء الذي نستنشقه عنوة دون أن ندفع فاتورته، ذلك الذي يمكن أن يطير كشال في الريح رغماً عن قوانين المنع، وهو تلك الإبرة التي نطرز بها أيامنا لنصير ما نريد، ولكني قررت مؤخراً أن أهدي أحلامي لغيري، فكثير من الناس لا يملكون أن يحلموا، ويتمنون بارقة أمل تولد من حلم ليلة، أريد أن أشعل الجمر في هذا الرماد، لجذوة الحياة أن تستيقظ، أريد أن أمنح أحلامي لوطني العربي الكبير، لصغاره أن ينعموا بالسلام، ولنسائه بالأمان والاطمئنان، ولرجاله بالقوة والغلبة، أريد أن أوْدِع أحلامي البسيطة في دفتر التوفير لعلها تجلب قوت الفقراء، وتمنح العناوين للاجئين، وتعيد لنا شمسنا مشرقة مضيئة؛ كي نبصر الطريق، ونتمكن من شراء كوب حليب صافٍ لأطفالنا في الصباح، وحقائب مدرسية، وفصول دراسية، وبعض اللعب، أحلم أن نستطيع أن نبتاع من جديد حبر الحروف وسبورتنا وعلب الطباشير البريئة، وأن نرسم على اللوح خارطتنا العربية لبلاد لا تغرب الشمس عنها قبل أن تتحول هياكلنا إلى أعواد قصب، قبل أن يتحول شبابنا إلى وقود لنار لا تدفئ بردنا ولا تواسي يأسنا، أحلم بأن نستيقظ قبل أن نأكل بعضنا ونترك لعدونا فرصة التسلي بمشاهدة حربنا وجرحنا وثكلانا وغرقانا ولاجئينا، أن نفوت هذه الفرصة على من يريد رقابنا، أحلم أن تعود أنهارنا وينابيعنا صافية، وأن نصحو دونما خيبة أمل، أن ندرب أحلامنا على يقظة الواقع وأن نترك للحلم بقية لليلة أخرى ولغد آخر لا يكون فيه ذئب جائع يطارد خرافنا ويقض مضاجعنا، أن يكون هناك حلم يرفض أبجدية الانتظار راكضاً إلى الواقع، فاصلاً كالسيف إذا صال صولته وقال كلمته الأخيرة دونما مجاملة.
أريد أن أهدي أحلامي لغيري.. لوطني الكبير بأن يستيقظ من كوابيسه المفزعة على قطفة حياة.. على بارقة أمل أن ينفض كل هذا الوجع.. ويكبر شامخاً.. محلقاً كالطائر الحر يسد عين الشمس ويجتاز المدى.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٣٨٣) صفحة (١١) بتاريخ (١٧-٠٩-٢٠١٥)