* بحريني يمرض في المغرب ويُعالج في الرياض ثم يكمل سنوات غيبوبته في البحرين ليستريح أبدياً في ترابها

في الأول من سبتمبر 2011، أسلم القائد الوطني عبدالرحمن النعيمي روحه للباري منهياً عقوداً من العطاء والتضحية في سبيل وطنه وأبناء شعبه. رحل النعيمي بعد غيبوبة امتدت أكثر من أربع سنوات، هاجمته في المغرب وسرعان ما تم نقله بالإسعاف الطائر إلى مستشفى الملك فيصل التخصصي في الرياض.
للوهلة الأولى، قد يبدو المشهد غريباً: بحريني يمرض في المغرب ويُعالج في الرياض ثم يكمل سنوات غيبوبته في البحرين ليستريح أبدياً في ترابها ويكتب على شاهد قبره «هنا يرقد عبدالرحمن النعيمي». لكن مَنْ يعرف النعيمي لا يرى في هذا الرحيل المتنقل على مراحل إلا جزءاً من سيرة هذا الرجل الكبير، الذي فرض احترامه على خصومه قبل أصدقائه ومحبيه، عبر مناقبية عالية المستوى من الطهرانية السياسية والسلوكية التي اتسم بها (أبو أمل) طوال سنوات حياته الـ 67. فهذا الرجل عروبي من الطراز الأول، سخر حياته من أجل القضية الفلسطينية التي يعتبرها بوصلة الأمة، التي تباع اليوم في أسواق نخاسة الصمت وعلى طاولة المفاوضات وبين دهاليز الخلافات الداخلية بين الفصائل الفلسطينية، خصوصاً بين حركتي فتح وحماس، بينما يستباح الأقصى بجزم الصهاينة ورئيس وزرائهم ويجري التنكيل بأبناء فلسطين، الذين يدفعون أثماناً مضاعفة للتفتت العربي. ولم يفك ارتباطه بفلسطين الأرض والإنسان، بل كرس جزءاً كبيراً من جهده لإعلاء شأن قضية الأمة المركزية، وكانت تحليلاته السياسية تنطلق من واقع ومعطيات هذه القضية أولاً، ليحلل الوضع العربي والمحلي ويستنتج خلاصات قلما أخطأ فيها.
انتقل عبدالرحمن النعيمي بين العواصم العربية منذ نهاية خمسينيات القرن الماضي عندما حزم أمتعته وغادر إلى العاصمة اللبنانية بيروت للدراسة في الجامعة الأمريكية. في تلك الفترة كانت قامات وشخصيات النضال القومي تدرس أو موجودة في الساحة اللبنانية، ما أسهم في صقل شخصيته القومية، خصوصاً في ظل التنافس بين حركة القوميين العرب وبين حزب البعث العربي الاشتراكي، لينضم إلى الحركة ويضرب أوتاداً لها في البحرين ومنطقة الخليج العربي. بعد عودته بعدة سنوات، شاءت الظروف أيام الانتداب البريطاني أن يرحل إلى الإمارات عام 1968، ليمكث فيها قليلاً ثم يعرج إلى عدن عاصمة اليمن الديمقراطي آنذاك، فظفار، الإقليم الجنوبي في سلطنة عمان، ليحط رحاله في دمشق منتصف السبعينيات ويبدأ رحلة التنقل الدائمة بينها وبين بيروت، التي كانت تشهد حينها حرباً أهلية استمرت حتى العام 1990، وأسدل الستار عليها بتوقيع الأطراف اللبنانية على اتفاق الطائف في المملكة العربية السعودية.
لم تكن حقبة التسعينيات هادئة في حياة النعيمي، فقد كان مهموماً بالتطورات المحلية والإقليمية، فقد كان يسعى بمعية رفاقه في أكثر من موقع لوضع حلول لإشكالات داخلية على صعيد البلاد والمنطقة، فوضع مسودة التجمع الوطني الديمقراطي، وتمكن من زحزحة بعض الأحجار هنا وهناك، رغم صعوبة الواقع الذي كان أكثر تعقيداً ويحتاج إلى رافعة عملاقة تنتشله من الحال الذي فيه، وقد وجدت مع نهاية العام 2000، حين اتخذت القيادة السياسية في البحرين قراراً شجاعاً بإشاعة أجواء الانفراج الأمني والسياسي، كانت باكورته ميثاق العمل الوطني، الذي دفع النعيمي وأقطاب في الحركة السياسية المواطنين للتصويت عليه. وهكذا كان حيث بلغت نسبة التصويت في الاستفتاء 98.4 %، وهي نسبة صحيحة وليست كباقي الاستفتاءات والانتخابات العربية، التي عادة ما تفوق الـ 99 %، ثم لحق الاستفتاء بقرار العفو الشامل الذي تم فيه إطلاق سراح كل المساجين السياسيين وأتاح للمنفيين والمبعدين العودة للبلاد لتدخل البحرين مرحلة جديدة من العمل السياسي العلني، حيث بادر النعيمي لتأسيس جمعية العمل الوطني الديمقراطي «وعد»، بمعية رفاق له في التيار الديمقراطي، وذلك بعد أن عاد للبحرين يوم 28 فبراير 2001، وكان في استقباله عدة مئات من رفاقه وأبناء البلاد، ورفع على الأكتاف في مطار البحرين الدولي بمعية رفيق دربه عبد رب النبي العكري، لينهيا أكثر من ثلاثة عقود من الغربة والتنقل بين العواصم العربية والأجنبية.
تتلمذ على يد عبدالرحمن النعيمي أجيال من البحرينيين والخليجيين، نسبة منهم التصقوا به وبتعاليمه السياسية والأخلاقية وواصلوا دربهم الطويل، وبعضهم انقلب على عقبيه وراح يلهث وراء مجد لن يجده في أزقة و«زواريب» التسلق والتملق المتعددة الاتجاهات. لكن الصحيح أن النعيمي حاز على احترام حتى أولئك الذين دخلوا في ماكينة التشهير به، وكان موقفه منهم ثابتاً: لن نرد على الإساءة بالإساءة، فالناس تعرف الغث من السمين. وقد أصاب في موقفه بعدم الانجرار للمهاترات هنا أو هناك، خصوصاً بعيد عودته وإصدار دستور جديد وما تبع ذلك من تداعيات لاتزال قائمة حتى اللحظة.
التقيت الراحل عبدالرحمن النعيمي في العام 1978 بعد وصولي بقليل لدمشق قادماً من رحلة متعبة، وكنت أقرأ له قبل ذلك بسنوات قليلة وأسمع عنه. كان منزله مزاراً لآلاف البحرينيين الذين يجيئون للعاصمة السورية، وكانت عائلته قد رتبت أمورها على هذا النمط من الحياة، التي كانت أغلبها عسيرة، تتخللها بعض ومضات الفرح العابرة. عشت معه أكثر من 12عاماً في الغربة، وتواصلت معه بعد عودتي إلى البحرين نهاية 1992 حتى وقوعه في قبضة الغيبوبة. لم تكن سنوات كافية لسبر غور أعماق شخصيته الفذة المتواضعة، التي رفعت من شأنه بين الجميع، بما فيهم أولئك الذين أرادوا النيل منه بوسائل وأدوات رخيصة، فقد سارع بعض منهم بالعودة إلى بعض من رشده بعد وفاة «أبي أمل» في الأول من سبتمبر 2011.
كان النعيمي ولايزال بالنسبة لي ولقطاع واسع من البحرينيين والخليجيين والعرب، الأب الروحي الذي افتقدناه قبل الأوان، كمَنْ يفتقد البدر في الليلة الظلماء. فما أحوجنا اليوم لقامة عملاقة من طرازه.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٣٨٤) صفحة (١١) بتاريخ (١٨-٠٩-٢٠١٥)