الهروب من الذات، أو من الذكريات، أو من لحظات الحنين، هو «أصعب هروب»، لأنك لا تهرب من عدو أراد بك شراً، أو من مواجهة أعداء، لتقرِّر أن تختبئ عنهم زمناً من الدهر حتى ينسوا عداواتهم، وتعود المياه إلى مجاريها، إنك تواجه أصعب من ذلك بكثير. ذلك هو الحنين لمكان أو زمن ما، أو مواجع وحكايات، استقرت في قاع الذكريات، لا تستطيع الفكاك منها، تلك التي تلاحقك إلى وسادتك، وتحرمك من لقمتك السائغة، تلك الأفكار والمشاعر التي يعنونها الإحساس، ويصوغها التذكر، أو الرفض لمفاجآت الحياة العابرة، أو قصصها المريرة، التي تجعل كثيراً من الناس يحاولون مواجهة هذه المواقف بالتناسي أو النسيان، أو الهروب إلى مدن بعيدة ظناً منهم بأنهم يعالجون أرواحهم من متاعبها بالصخب، أو بتغيير مسار الحياة، وأحياناً بارتكاب الأخطاء، باحثين عن جدوى عملية هروب مستحيلة، ولكنهم يجدون أنفسهم، بعد أن وصلوا إلى آخر بقاع الأرض، في مواجهة جيوش أفكارهم، التي تلاحقهم أينما ذهبوا.
ذلك هو الإنسان، يرتكب كل المخالفات لكي ينسى، ذلك الذي يعيش متناقضاته حتى لا يتذكر، بينما يعيش صراعاته الداخلية مع نفسه، فيما تتنازعه تلك النفس اللوامة، التي أقسم بها الله في كتابه الكريم بصفتها أكثر المزايا الإنسانية، تلك التي تعيد الإنسان ليحاور نفسه، ويجادلها، ويتنازع معها في محاولةٍ لإقناعها بوجهة نظره، وقد لا تقتنع، فيظل متعباً في محاولة مريرة للتصالح معها، والخروج من دائرة الاختلاف مع أرواحنا، ومن مشاعرنا السلبية، نظل في حالة طلب لجوء واعتصام أمام بوابات النسيان في مياهنا الإقليمية، ساعين إلى تحقيق التصالح مع الذات، التي ترتقي نحو الانسجام والاستقرار النفسي، وإلى القدرة على إدخال التغييرات على حياتنا الخاصة، فنجد في دواخلنا دائماً سؤالاً ملحَّاً عن أسباب انتكاساتنا النفسية، وعودتنا إلى ركن بعيد، نجلس فيه وحيدين، متسائلين عن حالة عابرة تمر فجأة كارتداد الصدى، يعيد إلينا أصواتنا، وأحاديثنا لذواتنا، ونحن نسألها ما بك؟ تجعلنا نحتفي بضوء شمعة خافتة الضوء، تعيدنا إلى لحظة حنين ومشاعر التذكر للحظة، نواجه فيها أرواحنا دونما رتوش، ولا أقنعة لنقول لأنفسنا إننا لا يمكن أن ننسى أبداً ما ترسب في عمق الوجدان من تجارب الحياة، وأننا نحتاج إلى حالة تعايش مع أرواحنا وحوار ذاتي لا يمكننا الهروب منه، وإنما نحتاج إلى التصالح معه وقبوله كما هو.
يقول الشاعر محمود درويش:
الحنين ندبة في القلب
وبصمة بلد على الجسد
لكن لا أحد يحن إلى جرحه
لا أحد يحن إلى وجع أو كابوس
بل يحن إلى ما قبله
إلى زمن لا ألم فيه سوى ألم الملذات الأولى
التي تذوب كقطعة سكر في فنجان شاي
إلى زمن فردوسي الصورة
والحنين نداء الناي للناي
لترميم الجهة التي كسرتها حوافر الخيل
في حملة عسكرية

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٣٨٧) صفحة (١١) بتاريخ (٢١-٠٩-٢٠١٥)