اكتسبت الدولة هذه التجربة الفعلية في إدارة كل ذلك بمهنية عالية، كما أنه يعطي مؤشراً على قوة ومتانة وتماسك أداء الدولة ومؤسساتها المختلفة في خدمة ضيوف الرحمن

إن مسؤولية ومهمة إدارة المشاعر المقدسة بما فيها موسم الحج لهو مدرسة جديدة في التنظيم اكتسبتها المملكة منذ تأسيسها على يد المؤسس -طيب الله ثراه- بكونها مناسك محكومة بقواعد وأصول شرعية وفي أوقات محددة حيث تتعامل مع وفود تأتي من كافة دول العالم رجالا ونساء وأطفالا، إلا أن الدولة اكتسبت هذه التجربة الفعلية في إدارة كل ذلك بمهنية عالية، كما أنه يعطي مؤشراً على قوة ومتانة وتماسك أداء الدولة ومؤسساتها المختلفة في خدمة ضيوف الرحمن.
كما يحسب للمملكة أنها نجحت في تحييد المشاعر ومواسم العبادة عن التجاذبات والصراعات السياسية فكل مسلم مرحب به بغض النظر عن طبيعة العلاقة مع دولته.
خدمة الحجاج بدأت منذ القدم وقبل الإسلام فقد كانت قريش تتسابق في تقديم السقاية والرفادة للحجيج، وكان قصي بن كلاب هو الذي فرض الرفادة على مجتمع قريش بدفع جزء يسير من المال كل سنة يصنع منه الأكل ويقدم للحجاج المحتاجين، وبعد الفتح أصبحت مكة تتبع للمدينة ومن ثم انتقلت التبعية للكوفة وبعدها دمشق بعد تأسيس الدولة الأموية، وفي سنة 132 هجرية سقطت الدولة الأموية وقامت الدولة العباسية فأصبحت مكة تابعة لدار الخلافة بغداد، وبعد ضعف الدولة العباسية بدأت الدويلات تستقل من حكمها فأصبحت مكة تتبدل تبعيتها من دولة إلى دولة حسب القوة والسيطرة، فكانت الدولة العبيدية بمصر التي سيطرت فترة من الزمن على مكة ومن ثم أصبحت الدولة الأيوبية هي المسيطرة على مكة وأوضاعها، وبعد قيام دولة المماليك سنة 648 هجرية أصبحت تبعية مكة المكرمة لها حتى سقوطها سنة 922 هجرية على يد السلطان العثماني سليم الأول، فانتقلت تبعية مكة إلى الدولة العثمانية.
كانت أوضاع مكة في أواخر حكم الدولة العثمانية سيئة جدا من خلال نقص الخدمات وخاصة المياه وانفلات الأمن في الطرقات مما مكن قطاع الطرق من نهب أموال الحجيج وحاجاتهم، وفي سنة 1343 هجرية تمكن الملك عبدالعزيز من ضم الحجاز ومنذ ذلك التاريخ والمملكة بدأت في توفير الخدمات اللازمة لضيوف الرحمن برغم قلة المال في ذلك الوقت إلا أنه بدأ في تعبيد الطريق بين مكة وجدة وإصلاح السقيا في مكة وترميم بعض أجزاء الحرم المكي والطرقات التي بجانبه، وبعد حادثة المحمل سنة 1344 هجرية وتوقف إرسال كسوة الكعبة من مصر أمر الملك عبدالعزيز بإنشاء مصنع لكسوة الكعبة المشرفة وتوالت الخدمات منذ عهد المؤسس ومن بعده أبنائه الملوك رحمهم الله، وكانت النقلة الفعلية في عهد الملك فهد سنة 1409 هجرية عندما أمر بتوسعة الحرمين الشريفين ومن ثم توسعة الملك عبدالله رحمه الله التي تعد أكبر توسعة في التاريخ.
ولعل أحدا يتساءل لماذا كل هذا الاهتمام بالحرمين الشريفين؟ التشريف الذي خصه الله المملكة بخدمة ضيوف الرحمن هو أمانة في أعناقنا جميعا ولذلك تقديم أرقى الخدمات وأفضلها هو هاجس المملكة دولة وشعبا، حتى إن المملكة لم تربط خدمتها لضيوف الرحمن بالأوضاع الاقتصادية فهي لا تتأثر بتردي الأوضاع الاقتصادية مهما كانت ولا تتردد في الصرف على الحرمين الشريفين مهما كانت الظروف، كذلك المملكة لم تتاجر بمواسم الحج لمصالحها الشخصية مع أي دولة إنما تتعامل مع موسم الحج على أنه للجميع دون استثناء فتسخر جميع قطاعات الدولة لخدمة الحجيج وتهتم بشؤونهم الصحية والأمنية والمكانية.
وفي حج هذا العام وتحديدا العاشر من شهر ذي الحجة حصلت حادثة التدافع بين الحجيج في أحد الطرقات بمنى مما نتج عنه وفيات وإصابات كثيرة، وبعد هذه الحادثة بدأت الأقلام المأجورة والأصوات المسعورة بمحاولة الانتقاص من دور المملكة في رعايتها للحجيج، وجعل هذه الحادثة مرتكزا لحديثهم وتعليقاتهم.
نعم الحادثة مأساوية وبكل أسف وقد كدرت صفو الحج، وما حصل نعزوه للقضاء والقدر أولا، ونحن لا نبرر الأخطاء بل المملكة حريصة على الشفافية والمصداقية في بياناتها كما كان إعلانها عن حادث الرافعة التي سقطت بالحرم قبل فترة، ولذلك سوف تعلن عن أسباب هذه الحادثة بكل صدق بعد انتهاء اللجنة المكلفة من تحقيقاتها، ونقول لتلك الأقلام المأجورة إن المملكة استقبلت ملايين الحجاج في العقود الماضية ولو تم قياس الحوادث التي حصلت بسبب التقصير أو الأخطاء لما تجاوزت جزءا من المائة، أما الأحداث التي حصلت بفعل فاعل أثناء مواسم الحج التي مضت فهذه كان لها تعامل خاص من الدولة.
ختاما علينا أن نعي أن الدول كلما اتسع دورها الإقليمي والدولي وتأثيرها في القرار تزداد حدة المواقف والادعاءات ضدها، والمملكة من الدول الكبيرة التي تدرك ذلك، كما أننا لا نسمح لأي طرف مهما كان في التأثير على دورنا ولحمتنا ومسؤولياتنا التاريخية إلا لا قدر الله بما نسمح به نحن باستجابتنا لهذه الحملات المغرضة، فأخطاؤنا وإن كانت بحسن نية فقد تستغل ضدنا، وهنا تذكير لنفسي والقارئ الكريم أننا جميعا مسؤولون أمام الله وأمام أجيالنا عن أمن وسلامة هذا الوطن.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٣٩٤) صفحة (١١) بتاريخ (٢٨-٠٩-٢٠١٥)