تقول الحكاية إننا سنحتفي بالعيد ونعاود الذكرى مرتين في كل عام، وإننا نحتاج إلى فيض من الكلمات المتداولة والصور كي نبث مشاعرنا للآخرين في مناسباتنا المتعددة، التي نحشد لها الرسائل الجماعية التي صرنا نستسهل قصها ولصقها من مكان لآخر، وأحياناً قد لا ننتبه إلى أن اسم المرسل مذيل في آخر الرسالة.
تمضي الأعياد والمناسبات ونحن نستسهل فكرة نسخ العبارات ولصقها وأحياناً دون أن نقرأها غير مدركين أن رسالة واحدة قد نكتبها بعبارات بسيطة نعني بها كل حرف كتبناه لمَنْ يعزون علينا بأنها ستحدث فارقاً كبيراً، وتخرجنا من إطار الرتابة والتكرار إلى ساحة الكلمات الحية الوارفة المشرقة المنحوتة بعناية فائقة لتستوعب مشاعر المرسل والمرسل إليه، التي لا تتطلب أن يكون كل منا شاعراً أو أديباً محنكاً أو كاتباً محترفاً، وإنما تستوجب الخروج من فكرة القطيع إلى رحابة التفكير إلى كتابة ما نعنيه لمَنْ نريد، فمن المستحيل أن مشاعرنا لدى جميع الناس متساوية وبذات القدر من المشاعر، ولعلني أتذكر كيف كنا نتجه إلى المكتبات للبحث عن الكتب، التي تعلم مهارات كتابة الرسائل التي كنا نحاول أن نحاكيها ونحن نقرأ سطورها بعناية؛ لنعاود الكتابة بروح الإبداع والتجلي، تلك الروح التي تريد أن يكون منتجها رسالة بسيطة ومعبرة ليس أكثر، وهذا ما يحتاج إليه جيلنا ليخرج من إطار الصور المعلبة والرسائل الجاهزة إلى رحابة التفكير والإبداع والمحاولة ليتمكن من تغيير هندسة الكون، التي يمكن أن تحدث بالكتابة والتفكير والمحاكاة والتقليد والمحاولة والخطأ.. إنها الكتابة التي يمكن أن تُحدث نقلة في المشاعر وفي العلاقات الإنسانية، التي يمكن أن تبرر وجودها في الصدق، والتي نحتاج أن نتعلمها كي نجيد الحديث عن مشاعرنا ومتاعبنا وأفكارنا، التي لن نجد يوماً رسائل جاهزة لتقول ما نحس به نيابة عنا. إن نسخ ولصق هذه الرسائل جريمة في حق اللغة وفي حق المرسل والمتلقي، ولا يمكن أن تنكر معنى أن تُكتب لك رسالة تخصك ولو تضمنت جملة واحدة تكون لك لشعرت بسعادة غامرة لأنها لك وحدك ولأن المرسل تفرغ لدقيقة كي يتذكرك.
وعني فأنا لا أحتاج منك أن تبحث في قاموس الرسائل عن كلمة معلبة ترسلها قبل أن تجف بحيرات الكلام، ولا أن تنسج لي رسائل الشوق من دفاترك العتيقة، اكتب لي رسالة صدق واحدة بريئة ساخنة كخبز الصباح وألصقها على جدار قلبي وسأسعد بها.
يقول الشاعر نزار قباني: الكتابة هي الجلوس على حافة الهاوية، لا على فراش حرير، ولا على سجادة تبريزية، ولا على كرسي هزاز.. إنها الإبحار في فضاء من الأسئلة دون أن يكون معك تذكرة للعودة.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٣٩٧) صفحة (١١) بتاريخ (٠١-١٠-٢٠١٥)