تعد التربية أهم استثمار لمستقبل واعد ومشرق، وواحدة من المرتكزات الأساسية، التي تعتمد عليها شعوب العالم في عمليات البناء والنهوض الحضاري، وعاملاً مهماً في تنظيم حياة الأفراد والجماعات، تنظيم يتكئ على رؤية واعية، وما هذا التباين الفكري والحضاري والثقافي بين الشعوب إلا نتيجة اختلاف مستويات الاهتمام بالتربية والتعليم، ولم يأتِ التقدم التقني في اليابان، أو أمريكا، أو غيرهما من دول العالم المتقدم جزافاً، أو مصحوباً بعاصفة مطرية، بل جاء بمثابرة واعية، وإعمال العقل، واستنهاض القدرات مع دقة التخطيط، وتجويد إجراءات التنفيذ والمتابعة، فالعلم أساس التنامي للمعطيات الحضارية في كافة جوانبها الاقتصادية، والصناعية، والزراعية، والإدارية وغيرها. نتوقف قليلاً أمام عظمة العلم وهيبته وسطوته، ونسأل أنفسنا: من أين تنبت البذرة الأولى؟ بطبيعة الحال يتمثل المنبت الأول في الأسرة بما تملكه من وعي، لتصبح قادرة على إشباع ميول ورغبات وقدرات الأطفال الفكرية، والعقلية، والنفسية، فهي النواة الأساسية في عملية البناء، وتأتي المدرسة مكمِّلة لتفتح فضاء الإبداع، وتوسِّع دائرة الجمال بما تقوم بتهيئته من تنمية لمهارات التفكير لدى الطلاب مع توفير المناخ الصحي، وفرص الحوار الهادئ المدروسة، التي ترتقي بأساليبها، وطرائقها دون وضع أطر محددة لقدرات الطلاب ومواهبهم، فالعقل جوهرة، أودعها الخالق في الإنسان، ومن خلاله تمكنت الإنسانية من الوصول إلى الاختراعات، والابتكارات، ولن يتوقف العقل عند هذا الحد، بل القادم سيكون مدهشاً ومثيراً. ولو طرحنا سؤالاً بدهياً: هل تمكنت مدارسنا من أن تكون بذات المستوى العالي؟ أم إنها تكرس اهتمامها في المستويات الدنيا من مستويات التفكير؟ الملاحظ أن التلاميذ يأتون مثل نباتات نضرة، وما إن يستقر بهم المقام في فصول المدرسة حتى تتكشف على وجوههم علامات البؤس، والقلق، وعدم الارتياح، ويمكن اكتشاف ذلك من خلال طرح سؤال بسيط على أي طفل: هل تحب المدرسة؟ لتكون الإجابة واضحة جداً، ونعيد السؤال بطريقة أخرى: كيف تتمكن مدارسنا من توفير بيئة تعليمية وتعلمية جاذبة وفاعلة؟ ليس كما تدعي بعض المدارس الأهلية بتوفير الألعاب، بل بتقدم ملحوظ في مدارك الطلاب. إذاً نتفق أن التعليم لا يتحقق بالشكل المطلوب إلا في بيئة صحية متكاملة العناصر، متعافية البنية، بمعنى أنها تحتاج إلى قائد تربوي، يمتلك رؤية واعية وخلاقة وغير نمطية، تحتاج إلى معلمين نشطين، يمتلكون مهارات التدريس، ويطبقونها ببراعة، تحتاج إلى مبانٍ متميزة، تتوفر فيها كل احتياجات الطلاب من ملاعب، ومسارح، ومختبرات، ومصادر تعلمٍ، تحتاج أيضاً إلى مشرفين تربويين من ذوي العطاءات المتجددة، والمتابعة المستمرة لكل المستجدات التربوية، تحتاج إلى مناهج دراسية تحقق التعليم والتعلم الفاعل سواء من خلال طرائق التعلم التعاوني، أو حل المشكلات، أو الاستقصاء، أو العصف الذهني، تحتاج إلى انتقاء البرامج التدريبية، وإخضاع جميع المعلمين والمشرفين والمديرين لتلك الدورات التدريبية، أما المجتمع فله دوره المعزِّز والمكمِّل في صياغة الوعي باعتباره واحداً من الأطر، التي يستقي منها التربويون أفكارهم ورؤاهم، فمتى ما تكاملت البيئة المدرسية فحينها حتماً ستكون المحصلة النهائية إيجابية، عندها يبوح الطالب بشوقه للمدرسة، وتصبح تلك اللحظات، التي يفر منها الطلاب عقب إطلاق صافرة الحصة السابعة، أو الثامنة، ذكرى غير محببة. خلاصة القول: متى ما نبتت زنابق التفاؤل، وأزهار الأمل، ستتحقق، بمشيئة الله، الأهداف المنشودة، التي يسعى المجتمع إلى الوصول إليها، ومن أبرزها بناء الإنسان الصالح لدينه ووطنه ونفسه.
ومضة:
جلس فوق غيمة بيضاء
شاهد زهرة ضاجة بالأنوثة
انزلق كحبة مطر
حين وصل..
الأرض يباب.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٤٠١) صفحة (١٠) بتاريخ (٠٥-١٠-٢٠١٥)