في كل مرحلة من مراحل تاريخنا وأزماتنا العربية لابد أن يطفو على سطح مياهنا الإقليمية فريق من التجار، والسماسرة، والمستنفعين الذين يستفيدون من الموجة ويركبونها للحصول على مكاسب مالية أو مناصب اجتماعية، وخلال هذه الحقبة الزمنية التي يعيشها عالمنا العربي والإسلامي من تزايد عدد تجار الحروب والأزمات الذين لا يتورعون عن استغلال حتى القشة التي تنقذ الغرقى كي يوظفوها لمصالحهم الشخصية لسان حالهم المثل القائل «مصائب قوم عند قوم فوائد» أولئك هم تجار الرغيف الذين يفرضون على المتضررين من هذه النكسات سداد فاتورة الحرب ويوظفون قواعدهم وقوانينهم الرخيصة في سبيل السيطرة على الفقراء والمحتاجين ضاربين عرض الحائط بكل ما يقال عن القيم الإنسانية باحثين على الأنا في زمن الحرب وقد تناولت وسائل الإعلام خلال الفترة الماضية قصص اللاجئين السوريين الذين ابتلعهم البحر بعد أن كانوا سلعة لتجار يتلقفها تجار المراكب لمن ضاقت بهم السبل للوصول إلى بر الأمان، هؤلاء التجار تجاوزوا القيم الإنسانية بمراحل ليفرضوا شريعة غاب جديدة على المستضعفين والمتعبين من المهجرين وفرضوا على أولئك الفقراء إتاوات ليمنحوهم فرصة الحياة والتنفس بحرية، أتخيلهم وهم يسوقون لمراكبهم، فالمركب المطاطي يمكن أن يغرقك بعد ربع المسافة والخشبي أو الشراعي يسقطك بعد نصفها والفولاذي يمنحك فرصة العيش بتذكرة حلم «ويجعلك تترحم على أغنية محمد عبده» يا مركب الهند يا أبو دقلين ياريتني كنت ربانه.
ولم يتوقف الأمر عند حدود هؤلاء بل ظهر أيضا عديد من صناع الأزمات من الإعلاميين ووسائل الإعلام ممن يديرون قرص النار وبوصلته في اتجاه مصالحهم الشخصية ويقبضون الثمن دون النظر إلى مصلحة هذه الأمة التي بدأت تتخبط بعد أن كثرت المغارف في قدور الطبخات السياسية تجاوزت كل التوقعات، واستغلت الأحداث والظروف السيئة والصعبة التي تواجه الدول والشعوب في أوقات الحروب والأزمات وزادت الطين بله في إشعال الفتن والحروب والمهاترات التي أوصلتنا إلى طريق مسدود لم نعرف كيف يمكن أن نجد له حلا بينما وقف أعداؤنا الحقيقيون «ينكشون أسنانهم» بعد أن تناولوا وجبة لحومنا العربية الدسمة وهم يوقدون النار لإشعال هذه المرحلة التي تعتبر فرصتهم الحتمية بينما نحن نحاول أن نوقف هذا العجاج وهذا الضباب كي نستطيع رؤية طريق العودة إلى منازلنا التي استثمرها سماسرة الحرب وأخذوا منا مفاتيحها بوعود زائفة.
يقول الشاعر محمود درويش
أين سمسار كل المنابر؟
أين الذي كان.. كان يلوك حجارة قبري وقبرك
ما الذي يجعل الكلمات عرايا؟
ما الذي يجعل الريح شوكا، وفحم الليالي مرايا؟
ما الذي ينزع الجلد عني، ويثقب عظمي؟
ما الذي يجعل القلب مثل القذيفة؟
وضلوع المغنين سارية للبيارق؟
ما الذي يفرش النار تحت سرير الخليفة؟
ما الذي يجعل الشفتين صواعق؟
غير حزن المصفد حين يرى
أخته.. أمه.. حبه
لعبة بين أيدي الجنود
وبين سماسرة الخطب الحامية

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٤٠٤) صفحة (١١) بتاريخ (٠٨-١٠-٢٠١٥)