* سيظل الجدل قائماً في أوروبا حول استقبال اللاجئين العرب والأفغان وغيرهم من دول العالم الثالث بسبب حالة الإسلامو فوبيا الطاغية في البلدان الأوروبية، وتراجع الأداء الاقتصادي فيها والخوف من تسلل تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» وأخواته من ثغرة اللجوء ومن ثم نقل التفجيرات والعمليات المسلحة لتلك العواصم..

لم يمر تصريح المستشارة الألمانية إنجيلا ميركل، الداعي لاستقبال اللاجئين السوريين والعراقيين والأفغان، مرور الكرام. فقد كان اليمين الألماني خصوصاً والأوروبي عموماً، بالمرصاد لهذه الدعوات التي تدحرجت صوب أغلب العواصم الأوروبية وأثارت جدلاً واسعاً. في ألمانيا كان برنامج «مجلة التليفزيون» الشهير، قد أعد العدة بطريقة تهكمية عندما ركّب «بتشديد الكاف» صورة ميركل فألبسها الحجاب وعباءة سوداء ومن ورائها مقر الرايخستاغ «البرلمان» تعلوه المآذن والهلال، ما يعطي دلالة لمعنى الصورة المركبة والموقف منها. وتزامنا مع برنامج القناة التليفزيونية الألمانية (إيه. آر. دي) صاحبة الصورة المركبة، أقدم رئيس الوزراء السويدي ستيفان لوفين على خطوة جريئة، عندما عين اللاجئة البوسنية الشابة الجميلة عايدة الحاج علي (28 عاما) وزيرة للتعليم الثانوي وتعليم الكبار ورفع الكفاءات. عايدة لجأت للسويد مع ذويها وكان عمرها خمس سنوات عام 1992، عندما كان متطرفو الصرب يرتكبون المجازر ضد مواطنيهم المسلمين في يوغسلافيا قبيل تقسيمها وبروز البوسنة والهرسك كبلد اعترف به العالم.
سيظل الجدل قائماً في أوروبا حول استقبال اللاجئين العرب والأفغان وغيرهم من دول العالم الثالث بسبب حالة الإسلامو فوبيا الطاغية في البلدان الأوروبية، وتراجع الأداء الاقتصادي فيها والخوف من تسلل تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» وأخواته من ثغرة اللجوء ومن ثم نقل التفجيرات والعمليات المسلحة لتلك العواصم. يضاف لذلك، القلق الكبير من وجود عدة آلاف من الأوروبيين من أصول عالم ثالثية ومواطنين أوروبيين أصيلين يقاتلون في صفوف الجماعات المسلحة في سوريا والعراق وليبيا واليمن، تعتبرهم الحكومات الأوروبية الخزان الاحتياطي لتفجير استقرار أوروبا عندما تضع الحروب العبثية في البلدان العربية أوزارها ويعود هؤلاء وهم يتمتعون بخبرات قتالية متقدمة.
لكن البلدان الأوروبية، خصوصا ألمانيا تشعر بقلق من تزايد أعداد اللاجئين والمهاجرين القادمين من البلدان الإسلامية. وربما لهذا السبب وقفت برلين متحفظة بقوة على دخول تركيا في نادي الاتحاد الأوروبي رغم القرب الجغرافي وعضوية أنقرة في حلف الناتو. فتركيا ذات الثمانين مليون نسمة وصاحبة التبادل التجاري مع دول الاتحاد بما يزيد على 100 مليار دولار، هي نفس تركيا المفتوحة جبهاتها على الحدود مع العراق وسوريا ولها نفوذ يصل إلى ليبيا منذ اللحظة الأولى لاشتعال الاضطرابات في عديد من العواصم العربية، ولاتزال أنقرة في «بوز» المدفع نظراً للحدود الطويلة مع سوريا وتسرب أعضاء الجماعات المسلحة منها إلى سوريا والعراق، كما هو الحال مع هروب بعض الذين يصحو ضميرهم فيتخذون الحدود التركية ممراً آمناً للوصول إلى سفارات بلدانهم.
لقد ثمن العالم دموع ميركل التي ذرفتها على الطفل السوري آلان وهو جثمان قذفه البحر للشاطئ، وعلى العشرات الذين ذهبوا معه بسبب ما وصلت إليه الحال. فقد كان والد آلان يبحثان عن الحياة لابنيهما فماتا في البحر، بل قتلا هناك حيث لفظتهم العواصم القريبة بعد أن عاشوا الموت في بلدهم. هذا البلد الذي تتطاحن اليوم على أرضه أمم الأرض ويدخل لعبة الأمم بطريقة مأساوية متوحشة قل نظيرها، حيث تتحطم حدود سايكس بيكو لتتشكل خارطة جديدة للمنطقة قوامها دويلات الطوائف التي تذكر بانهيار الدولة الإسلامية في الأندلس. إن دموع ميركل لم يذرف مثلها في البلدان العربية المشغولة بترتيب بيوتها الداخلية حتى العظم. ولم يكن لميركل واجب ذرف الدموع أصلاً، بيد أن اختلاف الثقافات والحضارات فرض معادلته، فهنا تحول القتل خارج القانون والسحل والذبح من الوريد إلى الوريد وحرق البشر في الأقفاص وهم أحياء وتعذيبهم حتى الموت داخل الزنازين..تحول إلى حالة طبيعة تجرعها المواطن العادي الذي مر مرور الكرام على جثة الطفل آلان مثلما مر على جثث شهداء الأقصى الذين سقطوا وهم يدافعون عن شرف الأمة وكانوا يصرخون استنجاداً بمن حسبوهم أشقاء وأصحاب نخوة.
اختلاف الثقافات والحضارات، هو نفسه الذي قاد رئيس الوزراء السويدي إلى تعيين عايدة الحاج علي وزيرة، وهي البوسنية المسلمة اللاجئة، حين وجد فيها كفاءة لم يجد مثلها في أبناء بلده الأصليين، فلم يتردد عن جعلها وزيره وتكريمها بناءً على كفاءتها واجتهادها وليس بسبب انتمائها الديني أو القبلي. هكذا بنو سلوكيات ترتقي إلى المستوى الذي يرفع الإنسان لمصاف ما يستحق. فربما انطلقت المستشارة الألمانية من مصلحة ذاتية لبلادها والاتحاد الأوروبي الذي تقوده بقاطرة الاقتصاد القوي، وربما انطلق رئيس الوزراء السويدي من نفس المبدأ، لكن هذه المصالح تقاطعت مع القواعد الرئيسية لحقوق الإنسان التي لم يجدها اللاجئون في بلدانهم بسبب الحروب الداخلية التي تحرق الأخضر واليابس، وغياب العدالة الاجتماعية والسلم الأهلي اللذين تفتقدهما أغلب البلدان العربية المرشحة لمزيد من التدهور في أوضاعها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. حين يغيب التخطيط الاستراتيجي للمستقبل ويوضع المواطن على الرف، تتشكل خزانات احتياطية للجماعات الإرهابية المسلحة يمكن لها أن تنفجر في أي لحظة ضغط غير محسوبة. لذلك وجب تقديم الشكر للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ولرئيس الوزراء السويدي ستيفان لوفين للدرس الذي قدماه لنا.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٤٠٥) صفحة (١١) بتاريخ (٠٩-١٠-٢٠١٥)