لو كنت تاجراً لقمت ببناء مستشفى متخصص في علاج الإدمان على الجوالات، كيف لا وأنت ترى الصفوف والطوابير المأهولة أمام محلات بيع الجوالات، خاصة لشراء جوال آيفون 6 الجديد، الذي أضافت الشركة المصنعة له لعبة، أو لعبتين، وقالت لذوي «العقول المريضة»: «هذا آيفون 6 بلس». والغريب في الأمر أن هؤلاء الرواد لا تنقصهم جوالات، حيث تشاهدهم في الطوابير يحملون في كل يد جوالاً، وبالتالي تجزم بأن ما تشاهده أمامك هو المرض بعينه. صحيح أنهم أناس أصحاء لا يبدو عليهم المرض، ولكن هذا المرض محجوب داخل العقول لا تشاهده إلا الشركات المصنعة، التي استطاعت تشخيص المرض قبلنا، ووجدت ضالتها وعلاجه المناسب.
يقول أحد التجار الكبار، الذي تغطي أملاكه عين الشمس، إن جاز التعبير: في الماضي كنت لا أحمل الجوال أبداً، ولكن في وقتنا الحاضر أُجبرت على حمله، واشتريت جوالاً متواضعاً، يسمى «أبو كشاف»، وكنت أضعه أمامي في الاجتماعات، فأشاهد نظرات مستنكرة ومستغربة، تحدق بجوالي من كل حدب وصوب، أعرف بماذا يفكرون، ولكنهم لا يعرفون بماذا أفكر، فأنا الناجي الوحيد من بينهم من هذا المرض العصري، والدليل على ذلك أنني «أستفتح الجلسة، وأغلقها».
لا ألوم المقتدر، الذي يرى الأمر من منظور آخر، ولكن ألوم العاطل، الذي يستنزف والديه في سبيل «الكشخة أمام العامة»، أو الموظف، الذي يستدين من زميله في العمل، وفي آخر الشهر يشتكي «الراتب لا يكفي الحاجة»، ناهيك عن الفقير، الذي تراكمت عليه الديون من فواتير كهرباء، وأقساط سيارة، والقائمة تطول، محاولة منه لسد النقص لديه، جميع هؤلاء يصطفون في الطوابير ليس حباً بالتكنولوجيا الجديدة، لأننا شعب مستهلك، ولن «نبرح» الجبال طولاً، ولكنه حب للتباهي المتأصِّل لدينا، أو علاج مؤقت لأمراضنا الاجتماعية، وصدق من قال: أهل العقول في راحة.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٤٠٧) صفحة (٦) بتاريخ (١١-١٠-٢٠١٥)