«القطيع» هم العامل الأهم في تغذية تلك الخلافات الفكرية، ما قد يؤثر على نسيجنا المجتمعي، ووحدته الوطنية، حتى إن الحاقدين على الوطن ونسيجه، وجدوا لهم من بين هذه الخلافات متنفساً لبث سمومهم للتأثير على بعض المتلقين

لم يعد العالم قرية صغيرة كما كان قبل عقد من الزمن، حيث العولمة، بل أصبح أصغر من ذلك بكثير، فكأن كل شيء في هذا العالم قابل للتوسع إلا العالم نفسه بعد أن طويت مسافاته، وتقلصت مساحاته، لتقاس بحجم رأس السبابة، التي تجول على الهاتف الشخصي، الأمر الذي تجاوز تلقي المعلومة إلى تداولها، وتشكيلها، وتحريفها في أحايين كثيرة قبل إعادة تصديرها إلى أماكن بعيدة من العالم.
ذلك التحول أصبح طبيعياً في ظل وجود شبكات التواصل الاجتماعية والمعلوماتية، منصة «تويتر» مثالاً! فهل أحدثت منصة «تويتر» ثقافة مجتمعية جديدة بغض النظر عن إيجابياتها أو سلبياتها؟ قد تتباين الإجابات في الرد على هذا السؤال، حسب نوع التجربة، وأغراضها المختلفة، وقبل أن أقوم بالإجابة، سأتحدث عن أهمية وتأثير «تويتر» على الرأي العام من الناحيتين الفكرية والاجتماعية: هذه المنصة أبرزت لنا جيلاً يكتب ما يطيب له دون قيود كما كان في السابق، حيث كانت الأجيال السابقة تعاني في المنزل، والمدرسة، والمجلس، وكانوا رهن إشارة أهواء، وآراء المتنفذين من والدَين، وإخوان، ومعلمين، إلى جانب سطوة العادات والمفاهيم المجتمعية برغبة منا، أو برهبة، ولذلك تشكَّلت أهمية، وتأثير هذه المنصة من خلال طرح القضايا والمواضيع المتنوعة، التي يريد كل مشترك مناقشتها عبر هذه المنصة، التي غيَّرت أسلوب التعاطي مع المفاهيم المحظورة في الأعراف الاجتماعية، كذلك تبين لنا في «تويتر» نجومٌ، كانوا لا يتجاوزون عتبات بيوتهم، فأصبح لدينا فئة لا بأس بها من الشباب، تشارك التأثير في توجيه الرأي العام من خلال أتباعهم ومريديهم، أما على مستوى النخب، فهنالك تباين بين مَنْ صمد في مواجهة التيار المضاد، ومَنْ سار معه، أو هرب منه عاجلاً، وكأن صورته، التي اعتلت حسابه، لم تكن، وهناك آخرون من الفئة النخبوية، لم تشارك أبداً إما لجهلٍ بأدوات هذه المنصة، أو بسبب بصيرة يعتقدونها، والحقيقة أن هذه الفئة، التي ارتأت عدم خوض التجربة، قد لا تحقق مكاسب جديدة بقدر الخسارة التي يخشونها، فقد شهد «تويتر» مشاحنات بين بعض النخب الفكرية والثقافية، ومازالت تلك المشاحنات رائجة حتى يومنا هذا، الأمر الذي قد يصل إلى التطرف والغلو في التصنيف بسبب غياب روح الحوار، أضف إلى ذلك أن أتباع التيارات، أو مَنْ يُعرفون في علم الاجتماع بـ «القطيع»، هم العامل الأهم في تغذية تلك الخلافات الفكرية ما قد يؤثر على نسيجنا المجتمعي، ووحدته الوطنية، حتى إن الحاقدين على الوطن ونسيجه وجدوا لهم من بين هذه الخلافات متنفساً لبث سمومهم للتأثير على بعض المتلقين، إلا أن تلك الممارسات باتت مكشوفة لا تنطلي على كثير من المشتركين بسبب ازدياد الوعي المجتمعي لديهم.
وللإجابة على السؤال: هل أحدث «تويتر» ثقافة مجتمعية جديدة؟
يُعدُّ «تويتر» بمنزلة مرآة، تعكس ثقافة وسلوك المجتمع، ولكنه لم يُحدث ثقافة جديدة، بل أظهر ثقافة المجتمع وانتماءاته على السطح، وساهم في التعرف على ثقافات الآخرين، الذين لا ينتمون إلى المجتمع السعودي، ما أكسب ذلك تنوعاً في المفاهيم بعد أن كانت أحادية المصدر، أضف إلى ذلك أن مساحات الحوار زادت بين النشء والشباب من خلال كتاباتهم، وردودهم فيما بينهم، ولا ننكر أن هنالك مَنْ يسيء إلى أدب الحوار، والتعاطي مع الرأي الآخر من مبدأ «إن لم تكن معي فأنت ضدي»، فنشاهد بعض العبارات، التي لا تخلو من سب، أو شتم، أو خروج عن الذوق العام.
وكما يعلم الجميع، فإن الاختلاف سُنَّة كونية، فالله سبحانه وتعالى يقول في كتابه الكريم «ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم». الأمر الذي يجب ألا يوصل ذلك الاختلاف إلى حد الخلاف، الذي قد ينتج عنه «تشظي» بناء المجتمع الواحد، في المقابل نرى جميعاً أن هناك وعياً مجتمعياً متزايداً لدى كثير من أفراد المجتمع من خلال مشاركاتهم، وطرحهم العميق والمفيد للوطن والمجتمع.
ختاماً: ثقافات المجتمعات تتشكل، وتتأثر بكل جديد رغم مقاومة التغيير، المصاحبة في بعض الحالات، إلا أن هذه المقاومة سرعان ما تتلاشى وتختفي بسبب القناعات المجتمعية لأن ذلك الجديد أصبح من الضروريات الملحَّة في سياق الحياة.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٤١٥) صفحة (١١) بتاريخ (١٩-١٠-٢٠١٥)