ليس مهماً أن تتفق، أو تختلف وزارة الشؤون البلدية والقروية مع هيئة مكافحة الفساد «نزاهة» في تحديد نسبة المشاريع المتعثرة، سواء أكانت 44 % بحسب الأرقام الإحصائية لـ «نزاهة»، أو 33 % حسبما أوضحه التقرير المقدم من وزارة الشؤون البلدية، المهم أنهما يتفقان على وجود معضلة كبيرة اسمها تعثر المشاريع، التي أضحت ظاهرة، وهي تعني «فعل اجتماعي يمارسه جموع من البشر، أو يتعرضون له، أو يعانون منه، أو من نتائجه». لم يعد تعثر المشاريع الحكومة مشكلة صغيرة يمكن تجاوزها، أو غض الطرف عنها، أو تجاهلها، بل أصبحت ظاهرة، تعيق «تروس» عجلة التنمية عن سيرها الطبيعي، فتعاني من التلكؤ، والتعطل، وتُسبب خسائر مادية فادحة للحكومة، التي تصرف مبالغ باهظة جداً من أجل تحقيق تنمية متكاملة في كل الجوانب، ويمكن قراءة المبالغ الضخمة من خلال أرقام ميزانية الدولة. وإزاء هذه الظاهرة تُطرح «أسئلة حادة»: منذ متى بدأت؟ وكيف حدثت؟ ولماذا تحدث وما تبعاتها؟ وتستمر الأسئلة «تقفز»: هل من حلول عاجلة أو آجلة، سيما أن تعثر تنفيذ المشاريع، وتأخير إنجازها في وقتها المحدد يعني، بلا شك، تعطيل عجلة التنمية، ويكون الخاسر هنا هو الوطن والمواطن، فيما لا تشعر الشركات، التي تسببت في ذلك بالندم على ما حدث أو يحدث، فالمهم هو حصولها على مبالغ مالية تُسجَّل في مذكرات العقود؟! ولكي نستقصي الأسباب سنتجاوز تاريخ حدوث هذه الظاهرة، لأننا لا ندري متى بدأ حدوثها، لنسأل عن السبب الرئيسي في تعطيل المشاريع: هل يتمثل في غياب التخطيط، الذي لا يتكئ على رؤية هندسية ثاقبة؟ أم الرؤية الضبابية من المقاولين وشركاتهم؟ أم إن هناك قصوراً واضحاً في تقديم دراسات متكاملة، بدءاً بموقع المشروع، ونوع التربة، وطبوغرافية المكان، وغيرها من الأشياء المتعلقة بالمشروع؟ مما يعطينا شاهداً، وهو افتقاد تقديم دراسة فنية متكاملة، والتركيز فقط على الجانب المالي، وتسليم المشروع لـمَنْ يقدم عطاءً أقل دون الاهتمام بالجوانب الأخرى، وهنا تتمكن بعض الشركات ضعيفة الإمكانات المالية والبشرية والفنية من تسلم «المناقصة»، وتكون بعطائها الأقل قد وضعت حاجزاً أمام الشركات الأفضل والأقدر، وربما تعاني الشركات الضعيفة من مشكلات مثل: عدم مقدرتها على إنجاز مشاريع سبق أن تسلمتها، وتغامر بتسلم مشاريع جديدة، وهكذا دواليك، مما يزيد الطين بلة، بحيث تفتقد القدرة على إنجاز المهمة في وقتها المحدد، لأنها «عائمة» أصلاً، وقراراتها عشوائية، وأمام كل هذه الإشكاليات لا ندري هل تدقق الوزارات في تاريخ هذه الشركات، التي تتسبب في تعطل المشاريع، أو المقاولين، الذين عليهم ملاحظات حول عجزهم عن تنفيذ ما يُسند إليهم وفق عقود مبرمة، وبعضهم يبرر ذلك التعطيل في إنجاز المشاريع بوجود كثير من المهندسين المزوَّرين، بحسب ما أعلنت عنه قبل أيام الهيئة السعودية للمهندسين حول «اندساس» ما يزيد عن 16 ألف مهندس مزوَّر بشهادات هندسية مزوَّرة بعد أن تبرَّأت الجامعات من أكاذيبهم، ونسب الشهادات إليها، وكانت عبارة عن عملية قبيحة في شراء شهادات من مكاتب تجيد التدليس، وهذا العدد الضخم من مزوِّري الشهادات الهندسية تم حصرهم خلال خمس سنوات فقط لوافدين، يعملون في قطاعات هندسية، وبطبيعة الحال هم يعملون في مواقع مهمة، وما يتسبب فيه هؤلاء من أذى لا ينحصر فقط في تأخر المشاريع، بل وبتقديم دراسات خاطئة، ورؤى غير دقيقة، ما قد يتسبب في كوارث، لا سمح الله.
ابتكار معلم:
الخروج عن المألوف سمة المبدعين، والمعلم النابه والمتميز عبدالرحمن عبدالله حلان، خرج عن الأسلوب التقليدي «طريقة الاختبار الفردي»، التي تضخم الذات، وتزيد من التنافس السلبي، إلى طريقة جديدة ومبتكرة وهي: الاختبار الجمعي، حيث يشعر كل فرد في المجموعة أنه مكمل للآخر، وليس منافساً له، ولدي يقين بأن لهذه الطريقة دوراً كبيراً في تنمية العمل الجماعي وتعزيزه، ما يزيد من ترابط المجتمع، وتوافق الهدف، باعتبار الفرد جزءاً مهماً من المجتمع، يؤثر، ويتأثر به، ولكون المعلم عبدالرحمن ابتكر هذه الطريقة، فأنا أتمنى أن تجد اهتماماً من وزارة التعليم.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٤١٥) صفحة (١٠) بتاريخ (١٩-١٠-٢٠١٥)