«من شدة الألم» قد تفقد شعورك وتصبح دونما شعور، وذلك أخطر ما يمكن أن يهدد إنسانيتك، أن ترى مواجعك وويلات غيرك وأنت تقلب صفحات الأحداث عبر الصور التي لا تخطئ حوارها ثم تقفل أجهزتك وتخلد إلى النوم وأنت تشعر بأنك لوحة باهتة بلا معنى، أن قلبك مدينة أشباح خاوية أنك عاجز حتى عن الآه، فعندما تراقب الموت يتدلى من نوافذ القدس العتيقة ويتمطى في شوارع فلسطين ويغسل دم الشهداء في أزقتها، عندما تتكرر ذات الحكاية وتخرج الفلسطينيات يحملن المقاليع والحجارة والسكاكين ليثأرن لمواجع القدس نيابة عنك، وعندما تقف براءة الأطفال على نواصي مدن فلسطين لتروي قصص غصات الأمهات وشجاعة الصغار بينما يواجه شباب فلسطين قوة البطش الإسرائيلي بأبسط الأسلحة وبصدور لا تملك أكثر من طلب الشهادة، في هذه الحالة قد تستعيد نشرات الأخبار ذاكرتها قليلاً «لتتذكر» من جديد قضية القدس التي تخرج دائماً من بين الركام وتنهض كالمارد فينا لتعلن سيادتها على أحداث دمنا العربي المهدور وعلى ضفاف شواطئ بحرنا المالح تستيقظ حكاية القدس كنبض أحادي إجباري لا يشبه غيرة، وقد تعيدنا إلى ذاكرة مسلسل قديم كان عنوانه «بأم عيني» ذلك الذي نعرفه ونحن صغار عندما كان يحدثنا عن ويلات التعذيب في السجون الإسرائيلية وقصص الكفاح الفلسطيني التي لم تخلُ من البطولات لشخصيات واقعية تعود لتتكرر مع هوية القدس وأنفاسها التي تملأ الدنيا يقيناً بعودتها على الرغم من ظروف القضية الفلسطينية وتبعات ما يحدث في دهاليز السياسة وأروقة الخلاف والاختلاف والمزايدات والمناقصات تظل للقدس كلمتها التي يصعب أن تستثنيها نشرات الأخبار، تظل تفرض سيطرتها الدينية والشرعية التي لا تقبل القسمة على الخونة والمخونين أو على المتخاذلين والمطبلين، تظل لها سيادة الحق الذي لا ينحني للقمع ولا للتلاعب، لديها قوة إيمان الفلسطيني بقضيته وأرضه ضارباً عرض الحائط بقيادات لم تعُد تقنعه أو تمثله ولا بعالم شاسع لا يسمعه، ماضياً إليها واضعاً إياها نصب عينيه ولا يريد غير القدس ولا يفهم غير القدس، ولا يسمع غير صوتها يضج فتنحني الظهور للصلاة خاشعة لا تطلب النصر إلا من الله وحده.. وحده لا شريك له.
يقول الشاعر الفلسطيني توفيق زياد
فلتسمع كل الدنيا … فلتسمع
سنجوع .. ونعرى
قطعاً .. نتقطع
ونسفّ ترابك
يا أرضاً تتوجع
ونموت .. ولكن
لن يسقط من أيدينا
علم الأحرار المشرع
لكن .. لن نركع
للقوة .. للفانتوم … للمدفع
لن نخضع
لن يخضع منا
حتى طفل يرضع

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٤٢١) صفحة (١١) بتاريخ (٢٥-١٠-٢٠١٥)