التاريخ يكرر نفسه معنا مرة أخرى من خلال كثرة الحروب والفتن والاعتداءات بين المسلمين أنفسهم، وإيماننا برسولنا، عليه أفضل الصلاة والتسليم، بالرجوع إلى سيرته العطرة، لنتذكر الأنفس والقلوب الصافية فيما بينها، خاصة «مؤاخاة» المهاجرين والأنصار عند قدوم النبي إلى المدينة، ومحبتهم لبعضهم بعضاً، فهل نستطيع أن نصفِّي أنفسنا ودواخلنا من الحقد والغلو على بعضنا؟….

دائماً، وعبر التاريخ، يتفاءل المسلمون أثناء حدوث الحروب والفتن بالتخلص منها بالتضرع إلى الله، ومن ثم بالرجوع إلى سيرة المصطفى، عليه الصلاة والسلام، وقراءتها، والاستئناس بها، لأنها تزخر بالعبر والتفكر، وجعل الرسول والصحابة الكرام قدوة في كل عمل تم القيام به، وسير الأنبياء والرسل فيها عبر يجب التفكر بها، يقول الله تعالى في محكم كتابه الكريم «لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ». يوسف (111)، وقد ألِّفت كتب كثيرة عن السيرة النبوية في العصور الوسطى، خاصة في الأندلس، والشام، واليمن عندما كانوا يُحاصرون من الأعداء، ويحل بهم البلاء، فهل يمكن للمسلمين اليوم أن يرجعوا إلى سيرة الرسول، عليه الصلاة والسلام، لينهلوا منها الحكم والعبر، ويتذكروا ما مرَّ برسول الله من الشدائد والمحن أثناء دعوته؟ ولنا في غزوة الأحزاب «مثال كبير» في حدوث البلاء، وشدته، فقد قال الله تعالى واصفاً خطر تلك الغزوة «وبلغت القلوب الحناجر…». إلا أن الله نجَّاهم من تلك الغزوة وخطرها.
غزوة «الأحزاب» وقعت في السنة الخامسة للهجرة، حيث «تحزّبت» قريش ومَنْ والاها من القبائل المناصرة لها من كنانة وغيرها ضد المسلمين، واتجهوا نحو المدينة لقتال الرسول، عليه أفضل الصلاة والتسليم، ومَنْ معه من المسلمين، من المهاجرين والأنصار، ففكر النبي في كيفية مواجهة قريش وحلفائها، هل يخرج لهم خارج المدينة، أم ينتظرهم في داخلها؟ فجمع مستشاريه من الصحابة، وفتح نقاشاً معهم، وطلب منهم «رأياً سديداً» لمواجهة هذا الخطر العظيم، وكيفية الدفاع عن المدينة، وبعد مناقشات جرت بين الرسول والصحابة، تم اختيار فكرة الصحابي الجليل سلمان الفارسي، وهو من بلاد فارس، قدِم إلى المدينة بحثاً عن النبي، و«الدين الجديد»، وكان له ذلك، فأسلم قبل غزوة الأحزاب، حيث أشار على النبي، عليه الصلاة والسلام، بأن يحفر خندقاً حول المدينة، وقال: «نحن في فارس إذا حوصرنا خندقنا علينا». وكانت هذه التجربة جديدة على أهل الجزيرة العربية، ولم يألفوها من قبل، فوافق النبي عليه الصلاة والسلام على هذه الفكرة، وأمر أصحابه بالبدء في حفر الخندق قبل وصول مقاتلي قريش وأحزابها، وقد عانى الرسول وصحابته من هذه الغزوة معاناة كبيرة، خاصة بسبب قوة الصخور المراد تكسيرها لحفر الخندق، والجوع الشديد، الذي عاناه الصحابة خلال فترة عملهم في حفر الخندق.
يذكر ابن هشام، في سيرته أن سلمان الفارسي كان يضرب حجراً كبيراً فاستعصى عليه، وكان الرسول عليه الصلاة والسلام، يراقبه، فنزل الرسول صلى الله عليه وسلم، وأخذ المعول منه، وكبّر التكبيرة الأولى، ثم ضرب الحجر، فخرج منه ضوء، فكبّر الثانية، وضرب الحجر فخرج منه أيضاً ضوء، فكبّر التكبيرة الثالثة، فضرب الحجر، فخرج منه ضوء، فتفتت الحجر بكامله، فسأل سلمان الفارسي، الرسول، عليه الصلاة والسلام، عن هذا الضوء، الذي لمع من الصخر، فقال له الرسول، عليه الصلاة والسلام: في التكبيرة الأولى أعطيت مفاتيح الشام، أما في التكبيرة الثانية فأعطيت مفاتيح فارس، أما في التكبيرة الثالثة فأعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني.
وكان الصحابة، لشدة إعجابهم بسلمان الفارسي، ومحبتهم له، أن المهاجرين منهم قالوا: سلمان من المهاجرين. فرد الأنصار: سلمان من الأنصار. فقال الرسول، عليه أفضل الصلاة والسلام: سلمان منا آل البيت. ويا لعظمة هذا الانتماء، والنسب لسلمان الفارسي. ويذكر ابن حجر، أن سلمان الفارسي كان يُطلق عليه اسم «سلمان الخير».
مشرقنا الإسلامي يمر بأزمة سياسية عصيبة، بدأت مع بداية «الخريف العربي»، الذي أنهك أمة العرب والإسلام، ودمّر مكوناتها، لدرجة أنها ستعاني بسببه وتتألم سنوات طويلة، والحروب مازالت تشتعل في كل مكان من عالمنا العربي في الشام والعراق وليبيا واليمن.
والمملكة العربية السعودية، حاضنة الحرمين الشريفين، وأرض السلام والعطاء، تخوض حرباً ضد أحزاب، اتفقت على محاربتها من الحوثيين في اليمن، وإيران الصفوية، ومَنْ والاها من مؤيديها في الشام، والعراق، وهذا نوع من المحن والابتلاء.
التاريخ يكرر نفسه معنا مرة أخرى من خلال كثرة الحروب والفتن والاعتداءات بين المسلمين أنفسهم، وإيماننا برسولنا، عليه أفضل الصلاة والتسليم، بالرجوع إلى سيرته العطرة، لنتذكر الأنفس والقلوب الصافية فيما بينها، خاصة «مؤاخاة» المهاجرين والأنصار عند قدوم النبي إلى المدينة، ومحبتهم لبعضهم بعضاً، فهل نستطيع أن نصفِّي أنفسنا ودواخلنا من الحقد والغلو على بعضنا؟ نسأل الله أن يُطفئ لهيب الحروب في عالمنا العربي، وأن يعم الأمن والسلام في العالم أجمع.
ختاماً: السيرة النبوية العظيمة لا تقتصر تجاربها الملهمة على نوعية الوقائع والأحداث التي وقعت في ذلك العصر العظيم، بل يمكن لنا استنباط الدروس منها بما يتلاءم مع روح العصر ومتطلباته في كافة شؤوننا، بحيث يتشكل تاريخنا على هيئة تراكمات عملية وثقافية متواصلة، تحفظ لنا ولأجيالنا علاقة انتماء «وثيقة العرى» مع منطلقاتنا التاريخية والحضارية، وهنا أدعو نفسي، وجميع الباحثين إلى إعادة قراءة السيرة النبوية من الناحية العملية والفكرية للخروج بتصورات ومعالجات حديثة، تتوافق، وتخدم خصوصية هذا الدين، المتمثلة في «شموليته»، وكونه «خاتم الأديان».

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٤٢٢) صفحة (١١) بتاريخ (٢٦-١٠-٢٠١٥)