عزة المحمود

الوجوه هي الصفحات التي تُسطَّر فيها الأخلاق، وتُرسم فيها السمات والشخصيات، فالإنسان يُعرف خلقه، وأدبه، ومشاعره، وأحاسيسه من عينيه، ويُطلِع على مبادئه، وتوجهاته، وثقافته، وحتى فلسفته في الحياة، من خلال قسمات وجهه، فمن عظمة الخالق أن الوجوه هي موطن أغلب حواس الإنسان، ففيها نرى، و«نُري» الابتسامة والود، ومنها نسمع، ونُسمع البيان واللطف، وبها «نشم الفضائل الساحرة»، ونتذوق طيب الأخلاق، ومن عظمة صنع الخالق أن الوجوه التي لا تتجاوز تعبيراتها بضع ثوانٍ كأقصى حد، تختزل الجمل والعبارات، والمواقف العظيمة، فكل منا في ذاكرته تعبيرات لوجه قريب بعيد، في موقف صغير كبير، لن ينساها مادام على قيد الحياة.
الوجوه هي خرائط أحوال، تظهر فيها أحوال الناس، وقضاياهم، فترى حياته في قسمات وجهه بكل الألوان والتضاريس من سعادة وشقاء، وفرح وحزن، ورغد وشظف عيش، وتتضح صفاته، فترى الصلاح والتقى، والذكاء والحكمة والاتزان، والجد والطموح، والمعرفة والعلم، وقد ترى عكس ذلك تماماً.
الوجوه هي البيوت التي تسكنها القيم، فوجوه يسكنها الحب والكرم والصدق والوفاء والحياء، ووجوه تسكنها كل قيمة مخالفة للنبل والجمال، ووجوه يسكنها خليط من هذا وذاك.
الوجوه هي الجهة التنفيذية للمشرِّع «العقل»، فإذا أردت أن تعرف قدرك لدى عقل ما، في زمن ما، في مكان ما، فما عليك إلا أن تنظر في ثنايا وجهه، وسترى عجباً، سترى موقعك الجغرافي والتاريخي، وقيمتك اللغوية والشعرية في عينيه، حتى إن الشعر يكاد أن يتفلَّت منهما مدحاً، أو هجاء، بما يتوافق مع قدرك.
وقد قال ابن القيم، رحمه الله، «الألسنة مغاريف القلوب». وعليه فإن الوجوه هي تلك الأرض التي ترتوي بماء القلوب، فإما أنها سترتوي بماء قلب عذب، فتزهر وتمتلئ بالحياة والحب، أو ترتوي بماء قلب صدئ مالح، فتصبح سبخة خالية من الحياة.
الإنسان الذي يتمتع بالذكاء الاجتماعي، يُدرك أهمية الوجوه وتعبيراتها في العلاقات، فيُصدر أجمل ما لديه من خلال وجهه، قال الأحنف: «رأس المروءة: طلاقة الوجه، والتودُّد إلى النَّاس». والإنسان الذي يُتَّهم من الناس بالجفاء والكبر وسوء العلاقات، يُظهر أسوأ ما لديه في وجهه عمداً، أو بغير عمد، والذي يحزنك، هو ذلك الشخص المخفق في إظهار علو نفسه، وجمال روحه على وجهه، فمَنْ يراه لا يدرك حقيقته، ومعدنه الجميل إلا بعد المعاشرة.
الوجوه مقدمة مهمة لما بعدها، فكم من علاقات هُدمت بسبب الوجوه، وكم من مشكلات تفاقمت بسبب الوجوه، وكم من حوادث صعدت بسبب الوجوه، وكم من فتن زُرعت بسبب الوجوه، فالواجب أن نُحيي وجوهنا بالإيمان بالله، وأن نملأها بأخلاق محمد، صلى الله عليه وسلم، لنفوز بالحسنيين.
وأخيراً: القلوب كتب، وأغلفتها الوجوه، والفطن مَنْ كان غلافه جميلاً زاهياً.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٤٢٢) صفحة (١٠) بتاريخ (٢٦-١٠-٢٠١٥)