بتنظيم مهرجان القصة في منتصف الشهر الجاري على أرض السراة، يُكمل «أدبي الباحة» الأنساق الثقافية الثلاثة «الرواية، الشعر، القصة»، ويحقق سبقاً في تنويع، وإثراء المشهد الثقافي، ما يدلُّ على أن العمل المنجز يمكن أن يتحقق بالتخطيط والمبادرة، وتوفر الحس الجمالي والأدبي.
والباحة الفيحاء «لوزة الجنوب»، وأخت السحاب، على موعد ثقافي وجمالي ومعرفي مع القصة، بحضور روادها، ومبدعيها، والمهتمين بهذا الجنس الأدبي، الذي يحقق المتعة والفائدة، والمتتبع للمسار التاريخي للقصة في وطننا يلحظ أن البدايات الأولى كانت تحمل خطاباً إصلاحياً ونهضوياً، وتأخذ شكل المقالة القصصية، والخواطر الوجدانية، يمهرها القاص بشكل مباشر، كما تميزت بجزالة اللفظ، وفي هذا السياق يقول الدكتور منصور الحازمي: الكتابة القصصية لم تكن غاية في حد ذاتها بقدر ما هي وسيلة جاذبة للتعبير عن الأفكار والمشاعر والمواقف، سردها الرواد مثل المغربي، والسباعي، وحسن سرحان بلغة أدبية قوية، وبتنامي الوعي بتقنيات القصة، ومعمارها المدهش، لتكون مجلة المنهل واحدة من منابر الجمال من خلال زاوية ثابتة تحت عنوان «منهل القصص»، ثم «قصة العدد»، ليشارك نخبة من الأدباء في الإثراء الجمالي للقصة، ويعود ذلك إلى الوعي الذي كان يمتلكه عبدالقدوس الأنصاري، وشاهده قصته «التوأمان»، التي اعتبرها بعض النقاد رائدة فن القصة. وللدكتور عالي القرشي، رؤية في هذا الصدد، حيث يقول: اتسعت القصة القصيرة بحجمها، وتعددها إلى «فتح القصص» عن اللحظات، والأمكنة، والحراك اليومي والإنساني فيها عبر اختزالها، ورؤاها المختلفة، فكانت القصص تعني القراءات المتعددة، الحاملة للتغيرات. وللدكتور بوشوشة بن جمعة، رؤية عن القصة القصيرة جداً، يقول: تعد قصة الومضة من التنويعات المستحدثة في مشهد الكتابة السردية عامة، والقصصية منها خاصة، استجابة إلى تسارع إيقاع حياة الفرد في هذا الواقع، ما أنتج ظهور هذا النوع، الذي يختزل إلى المدى مساحة كتابة القصة، حيث يعبّر قليل من الكلم عن فيض من الدلالة. نتفق مع ما ذهب إليه الدكتور بوشوشة التونسي، فالقصة تنحو إلى الاختزال، والتكثيف، واقتصاد الكلمات.
وكانت القصة خلال العقود الثلاثة الماضية قد توارت أمام سطوة الرواية والشعر، ولم يكن هذا التواري نتيجة ضعف في أركانها، أو تضعضع في مفاصلها، بل بسبب الضوء المشع، الذي زاد من وهج الرواية بشكل خاص، فيما بقيت القصة في الظل، لتعود بجموحها المعتاد، ورشاقتها الفاتنة، وليس أدل على ذلك من حصول الكاتبة الكندية أليس مونرو، على جائزة الآداب العالمية في فن القصة، فضلاً عن ذيوعها، وانتشارها، وسهولة قراءتها والاستمتاع بها في مواضع كثيرة.
وحين تحتفي الباحة الفيحاء برواد القصة ومبدعيها في بلادنا، فإن ذلك يأتي من منطلقات عدة، أولها: استشعار النادي أهمية المشاركة في تسليط الضوء على القصة، والقصة القصيرة جداً، باعتبارهما كما يقول الدكتور حسين المناصرة: مجالاً خصبا لكثير من الأبحاث والدراسات لالتقاء الشعري بالنثري في مستويات التكثيف اللغوي «الاختزال والصورة»، والتوتر «الإيقاع والموسيقى»، إلى جانب توسيع المناشط لتأخذ أضلاع الإبداع الأدبي. ولما كانت الباحة على موعد «رائق» مع هذه التظاهرة الثقافية الكبيرة فإن جماليات المنطقة من جبال، وغابات، وأودية، ومبان ذات طرازات معمارية قديمة، وفنون شعبية، ستضفي مزيداً من التألق والمتعة والراحة على نفوس المشاركين من خلال تجوالهم السياحي بين مفاتن الطبيعة الآسرة سواء في متنزه رغدان، أو قرية ذي عين الأثرية، أو قرية الأطاولة ذات النسق العمراني الأصيل، أو متنزة الأمير مشاري، وغابة الزرائب بما تحويه من مواقع مدهشة.
الباحة على موعد ثقافي وأدبي ومعرفي مع نخبة من المثقفين والمثقفات، ولسان حال أهالي الباحة يقول: «مرحبا هيل عد السيل».

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٤٢٢) صفحة (١٠) بتاريخ (٢٦-١٠-٢٠١٥)