أ.د. محمد خليفة التميمي - المدير التنفيذي لجامعة المدينة العالمية

أ.د. محمد خليفة التميمي – المدير التنفيذي لجامعة المدينة العالمية

عندما تشاهد أو تستمع للبرامج الأسرية أو برامج الفتاوى المباشرة وبالأخص عند السؤال عن المشكلات التي تقع بين الزوجين أو الحياة الأسرية على اختلاف جوانبها، تجد أن الإجابة لدى ضيف البرنامج أو المقدم له الذي يعالج تلك المشكلات ويحاول أن يعطي نصيحة أو يسدي مشورة للسائل زوجاً كان أو زوجة أو أباً أو أماً أو أخاً أو أختاً -وهي الشرائح الأغلب في السؤال- قد لا تخلو أحياناً من رسم صورة مثالية للحياة قد تزيد الأمر تعقيداً، لأن السائل يحاول أن يقارن بين ما يسمعه وبين ما يعيشه في واقع الحال، وأحياناً أخرى وبقصد أو من دون قصد قد يكون الجواب على أساس الحقوق والواجبات، وكأنما الحال والحل الأنسب هو التمترس والتخندق في هذا الوضع وبما يشبه كما لو أن الحال وصل إلى مرحلة التقاضي.
مع الأخذ بالاعتبار أن المُجيب يعيش تحت ضغط الوقت المحدد للبرنامج وكثرة الاتصالات الواردة عليه، وبخاصة أن هذا النوع من البرامج المباشرة يشهد إقبالاً كبيراً، إلا أن هذا الاستعجال قد يتسبب أحياناً في نتائج عكسية، فالجواب المقتضب والسريع قد لا يكون الجواب الأمثل أو لا يسلط الضوء على جوانب مهمة يجب مراعاتها، وقد يحمل السائل الجواب على أنه فتوى شرعية رتب عليها اتخاذ قراره بناء على ما ظن أنه حكم شرعي يراه بمنزلة صك خرج له من محكمة شرعية، كما أن المجيب قد يكون ليس على دراية بالعلاج الأمثل لتلك المسائل والقضايا.
ومعلوم أن التهيئة المعرفية سواء كانت شرعية أو نفسية أو اجتماعية للزوجين قبل زواجهما ضعيفة في مجتمعاتنا، وضعف تلك الجوانب أدى إلى أن نسب الطلاق ارتفعت بشكل كبير وبالأخص في أول الحياة الزوجية، والإحصائيات توصلها إلى نسب قد تصل في بعض المناطق إلى %40، ونعاني كثيراً من التفكك الأُسَري والقطيعة بين ذوي القربى، كما أن هناك مشكلات ومسائل استجدت في حياتنا المعاصرة تحتاج من الأسرة ممثلة في الزوجين والأبناء وكل من له تأثير في مجريات تلك الدائرة الصغيرة من دوائر المجتمع إلى الاستماع لكل نصيحة ومشورة وحلول، وبخاصة أن المستوى المعرفي لدى الناس كبير ومتقدم لارتفاع المستوى التعليمي، ولست هنا بصدد مناقشة المسائل التي تهم الأسرة، ولكن حديثي يدور حول تلك البرامج والطريقة التي تدار وتناقش بها تلك الجوانب من الحياة التي كان من الأجدر أن تخصص لها قناة مستقلة تحتوي على باقة متنوعة من البرامج يكون فيها النصيب الأكبر للبرامج المباشرة والحوارية وتشارك فيها عديد من الجهات الحكومية والأهلية ذات العلاقة بهذه الأمور، ويستضاف لها أناس على درجة عالية من الخبرة والدراية بهذه القضايا، كأن يجتمع في الحلقة الواحدة أكثر من متخصص في أكثر من مجال.
ومن العجب أن لدينا قنوات عامة (القناة الأولى والثانية) وقنوات متخصصة (قناة القرآن الكريم وقناة السنة النبوية والإخبارية والاقتصادية والرياضية وقناة الأجيال) وقنوات تعليمية، لكن لا نجد قناة متخصصة في الأمور الأسرية مع الأهمية العالية التي تدعو للعناية بهذه الجوانب المتشعبة والمتعددة سواء قبل الزواج أو أثناء الزواج أو بعد حصول الانفصال والعلاقة بين الآباء والأبناء والعلاقة بين الأسرة والمجتمع، فالأسرة هي عماد المجتمع وركيزته ونواته الأولى، والمشكلات التي تواجهها كبيرة وعميقة، ولو حسبنا الوقت المخصص لبعض البرامج التي تعتني بهذه الجوانب في القناة الأولى مثلاً لوجدنا أنه لا يتساوى مع القيمة التي يستحقها هذا الجانب، وعليه فلا حجة لمن يقول إن هذا النوع موجود ضمن برامج أخرى،
كما أن الطريقة التي تقدم بها تلك البرامج في غالبها طريقة غير جاذبة أو مؤثرة وتفتقر إلى الإمكانات التي تعطى للبرامج الأخرى كبرامج المسابقات والبرامج الترفيهية.
وجميعنا ندرك أن الإعلام نافذة مهمة لسماع آراء المختصين ونصائحهم وتوجيهاتهم، كما أنها نافذة تشاركية لسماع آراء الناس وتلمُّس احتياجاتهم ومشكلاتهم ووصف العلاج المناسب لها، فهل يأتي الوقت الذي ترى فيه النور قناة تحمل اسم (قناة الأسرة) أو (الأسرية) على غرار الإخبارية والاقتصادية، وأن نعمل بالنصيحة المعروفة (درهم وقاية خير من قنطار علاج)، فالأسرة والمجتمع والأجهزة الأمنية والمحاكم والتعليم والشؤون الاجتماعية وغيرها تعاني من تبعات ما يقع من خلل وقصور ناتج في المقام الأول عن ضعف التوعية، وعليه فالحاجة ماسة وعاجلة، فهل نخفف هذه المعاناة وتتخذ وزارة الثقافة والإعلام خطوات عملية في هذا الاتجاه.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٤٢٣) صفحة (١٠) بتاريخ (٢٧-١٠-٢٠١٥)