سما يوسف

احترام خصوصية الآخرين أمر مهم، ومطلوب من الجميع، والإسلام يحثنا على ذلك، بل إن كل الأديان تحث عليه، وتدعو إلى فعله، سواء أكانت تلك الخصوصية حقوقاً مادية، أم أدبية، لا يجوز الاعتداء عليها بأي حال من الأحوال، وهذا ما يجب أن يعيه كل فرد من أفراد المجتمع، ويلتزم به تماماً.
إن لكل إنسان مجموعة من الأمور الخاصة به، التي لا يحب أن يطلع عليها الآخرون، ومن الضروري احترام خصوصية الآخرين، والحفاظ على أسرارهم، لأن من شأن ذلك زيادة الثقة بين الناس، وتوثيق الروابط الاجتماعية، ففي كثير من الأحيان يؤدي عدم احترام الخصوصية إلى حدوث مشكلات، وضعف في الثقة، وتعدٍّ على حقوق الآخرين.
ومن السلوكيات «المشينة»، التي نهانا الله عنها في الشريعة الإسلامية: التجسس، فهو انتهاك للحريات، وتعدٍّ على الخصوصيات، وهتك للأسرار. وهناك فرق كبير بينه وبين «التحسس»، وهو أن نهتم بمَن هم حولنا بصدق، ونقدم لهم العون والمساعدة، دون فضول و«حشرية»، أو إساءة.
قال تعالى: «وَلَا تَجَسَّسُوا». الحجرات 12، وقد ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام: «من حُسن إسلام المرء، تركه ما لا يعنيه».
ويحرَّم التجسّس على المسلمين، بالبحث عن أسرارهم الخفية، التي لا يريدون إطلاع الناس عليها من قضاياهم الذاتية، أو الاجتماعية، أو الاقتصادية، وغير ذلك، لأن الله أعطى الحياة الخاصة حرمة شرعية، ولم يُجز لأحد اقتحامها، وجعل للإنسان الحق في منع غيره من الاعتداء، أو التلصص عليها بأي وسيلة.
ترى بعضهم يعطي نفسه الحق في العبث بجوالك، فيقرأ رسائلك، ويفتح صورك الخاصة، التي لا تحب للآخرين أن يطلعوا عليها، وهناك مَنْ يأخذ لك صورة وأنت جالس بأي وضعية، ومن ثم ينشرها في مواقع التواصل، وأشخاص ينشرون عن حادث مؤلم، أو حدث غير ملائم للنشر، هؤلاء أناس متجردون من مشاعرهم الإنسانية، يعطون لأنفسهم الحق في أن يكونوا أوصياء على الآخرين، والتعدي على حقوقهم، والتشهير بهم.
لقد أصبحنا اليوم في ذعر وخوف من أن نكون موجودين في أماكن عامة ونخطئ في أمر ما فنصبح أضحوكة في «مواقع التواصل» مثل غيرنا الذين سبقونا بسبب هؤلاء.
إن مثل هذه الظاهرة لا تلائم مجتمعنا المسلم، الذي يؤمن بالخصوصية، دينياً واجتماعياً، وهي دخيلة علينا، وقد تتسبّب بكثير من المشكلات، ويجب على أبنائنا أن يرتقوا بأفكارهم وسلوكياتهم إلى المستوى المشرِّف، وأن لا تغريهم مثل هذه التصرفات، التي تضر بمكانتهم وسمعتهم بصفتهم مسلمين.
وقد وضعت الجهات المعنية حدوداً وقوانين صارمة لاحترام الخصوصية لردع مَنْ تسوِّل له نفسه التعدي عليها.
وهنا أشدد على الدور الكبير للبيت، والمدرسة، ووسائل الإعلام في التوجيه، وبناء الفكرة، وتخليص عقول الناشئة من ضرر هذه التكنولوجية الحديثة، مع الإدراك بأنها نعمة من نعم الله علينا جميعاً.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٤٢٥) صفحة (١٠) بتاريخ (٢٩-١٠-٢٠١٥)