سلمان بن عبدالله القباع

سلمان بن عبدالله القباع

الاعتدال أساس الحياة، فلا نجد للإفراط صواباً ولا للتفريط نجاحاً، يتمشى الإنسان بحياته وخصوصاً الاجتماعية بما يتواكب مع خبرته ومن احتكاكه مع الآخر والتجارب، فالخبرة الحياتية يظن بعضهم أنها مجرد عيش مع الوقت، مع البشر فقط، تعيش مع مجريات الحياة ولم ندرك أن التعايش هو المعنى والأهم، فالتعايش مع الآخر داخل المجتمعات وخصوصاً المناطقية لدينا لما تختلف من ثقافات وعادات، ولا نقصد التعايش مع ثقافة أخرى تختلف عن ثقافة الدين وما شابه.
الاعتدال يأتي من قاعدة إسلامية، من الشريعة، لا إفراط ولا تفريط، «سددوا وقاربوا»، أدلة موجودة، ولكن نحن نعيش من أزمة عدم الاعتدال بكثير داخل المجتمع، فالتطرف والغلو والأمراض النفسية والانحرافات، أتت من ابتعاد الاعتدال، من ابتعاد نهج الوسطية، نجد لها مخرجات وآثاراً وعواقب، فالمتطرف سابقاً نجده تحول حالياً بمنحنى آخر، ومن كان حبيس الرقابة نجد الانحراف الفكري والهروب من واقعه في الانتظار، واقع أليم مكتوف الأيدي، واقع يرى الآخر من نافذة مطلة، ينمي بالخروج من إطار مقيد به «البيئة».
الأزمة الفكرية من التطرف وهي أزمة أيديولوجية، أزمة الابتعاد ومحاولة التميز عن الآخرين بغض النظر عن المخاطر أو الآثار التي سوف تكون منتشرة المفاهيم ممن يملكون التأييد ورسخ مفاهيم التطرف وما زالوا موجودين.
التطرف لا نجده محصوراً بين مذهب ومذهب ولا نجده بين تيار وتيار آخر، ولكن التطرف موجود حتى في المنازل داخل البيئة المحيطة للتربية.
الانعزال عن الآخر وعدم رسم الثقافات ووجود صراط واحد فقط هو الأساس والسبب لوجود التطرف والتشدد، التسامح داخل البيئة مفقود، مجرد ترهيب، نعلم أن التحذير مطلب وأن الحذر من الوقوع بالشيء شيء جميل خصوصاً إذا كان نابعاً من مصلحة، المثال يعتبر عاماً على البقية ولكن هناك أمثلة متشابهة ومتعددة تتمحور حول السقوط المر من التشدد على الأبناء ومحاولة إبعادهم عن الحاضر والواقع، قد تكون القوة في أمور اضطر الأب لاستخدامها ولكن هل القوة هي الشعار الأمثل؟
نسمع كثيراً أن هناك فجوة كبيرة داخل الأسر من سطوة وتقييد، رؤى ومفاهيم موجودة لدى من يقود سفينة المنزل، يريد تطبيق ما يراه داخل المنزل وبقوة، يبتعد كثيراً عن الحوار، عن المشاركة، ضريبتها لا ترضي، إما عقد نفسية أو تحولات فكرية، لكل شيء ردة فعل، التنشئة الاجتماعية تبدأ من الأسر،على ضوء ذلك نرى مجتمعا واعيا خصوصاً إذا كان متمسكا بالمفاهيم ومبتعدا عن الانغلاق، يرى بعضهم أن الانغلاق هو عدم التحرر وهذا عكس المفهوم الحقيقي، الانغلاق هو الحاجز المنيع من كبت وحرمان، بل عدم توفر المستلزمات الحياتية للأبناء وابتعاد ما يسمى بالحوار وإعطاء الأبناء حق المشاركة، نلاحظ جميعاً التحولات التي نراها من شخصيات وموجودين في الحراك الاجتماعي، نحن ولله الحمد في بلاد توجد بها الأنشطة الأدبية والاجتماعية، أنشطة تٌساعد على تنمية الفكر وتنمية المهارات العقلية وتسخيرها، لكن المشكلة التي نعاني منها وأصبحت متلازمة هي مشكلة البيئة والثقافة الدارجة من بعضهم، لا تتعدى مفاهيمهم الحياتية إلا بالغلو والابتعاد عن الآخر والعيش مع الذات فقط، بيئة منغلقة حتى وجدنا مسمى لهم بأنهم أعداء للحياة، وأعداء للفرح، مجرد عقول تريد أن تصنع لنفسها شيئا بعيدا عن الواقع!

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٤٢٧) صفحة (١٠) بتاريخ (٣١-١٠-٢٠١٥)