المنهجية التي يعتمد عليها كثير من المسؤولين هي منهجية قديمة وقاتلة للإبداع والتطوير، وكذلك بيئة العمل تجدها غير محفزة لذلك، فتذهب الإبداعات رويدا رويدا، ليصبح الشبان أو الشابات موظفين عاديين، ليس لديهم أدنى حلم أو هدف يصلون إليه من خلال المعرفة الفنية والإبداع والتطوير.

قرأت قبل فترة كلاما منشورا لمدير الاقتصاديات بشركة «سابك»، تحدث فيه عن إمكانية القضاء على أغلب البطالة في المملكة، من خلال صناعة عقول مبدعة ومبتكرة من الشبان والشابات ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، من خلال إيجاد حاضنات صناعية عملية تتبنى تلك المشاريع، لتحول أغلب الأفكار إلى إنتاج علمي بطريقة مدروسة وعلمية، وذلك خلال السنوات الخمس المقبلة.
كما يعلم الجميع أن شركة «سابك» هي إحدى الشركات العملاقة في المملكة، ولها ثقلها في حركة الاقتصاد السعودي، وعليها دور كبير في تحويل اقتصاد المملكة إلى اقتصاد معرفي متنوع، يقوم على سواعد شباب الوطن، حيث أصبحت الأصول المهمة التي يتكئ عليها الاقتصاد الجديد هي: المعرفة الفنية والإبداع والذكاء والمعلومات.
ونحن في المملكة الوظائف الحكومية هي وجهة أغلب شبابنا وبناتنا لماذا؟ للبحث عن الأمان الوظيفي، وبعد التوظيف يبدأ سريان انتهاء مفعول الابتكار والإبداع لدى أغلب الموظفين، لأن المنهجية التي يعتمد عليها كثير من المسؤولين هي منهجية قديمة وقاتلة للإبداع والتطوير، وكذلك بيئة العمل تجدها غير محفزة لذلك، فتذهب الإبداعات رويدا رويدا، ليصبح الشباب أو الشابات موظفين عاديين، ليس لديهم أدنى حلم أو هدف يصلون إليه من خلال المعرفة الفنية والإبداع والتطوير، والسؤال هو: لماذا نسمح لشبابنا أن يصلوا إلى هذا المستوى؟ وما هي الجهات المسؤولة عن تنبيه الشباب وتحفيزهم للتوجه إلى العمل الحر؟
هناك جهات مسؤولة عن وضع الشباب الباحث عن أي وظيفة أهمها الأسرة، لأن الوظيفة أصبحت هاجس كل أم وأب، حتى الشاب عند بحثه لشريكة حياته يسألونه هل هو موظف أم لا؟ ثقافة الوظيفة مازالت تعشعش في أذهان كثيرين بسبب ضعف القدرات المعرفية لديهم، لذلك تجدهم يغرسون في أذهان أولادهم الوظيفة ثم الوظيفة فقط، ولا يحاولون التفكير مع أولادهم في كيفية الدخول إلى الأسواق للبيع والشراء، فلنا في الثورة التكنلوجية عبرة بعد انتشار «الإنستغرام» و «السناب شات» وغيره، حيث بدأت كثير من السيدات بالدخول في مضمار التجارة من خلال عرض بضائعهن، سواء كانت أطعمة مطبوخة في المنزل أو أغراضاً واحتياجات أخرى، فأصبحن يملكن ثروة لا بأس بها عبر بوابة الاقتصاد المعرفي والاستفادة من مكونات ذلك الاقتصاد، فلماذا لا نسمح لأبنائنا أن يطلقوا إبداعاتهم وأفكارهم عبر تأسيس مشاريع صغيرة أو متوسطة، ويتم دعمهم دعما مباشرا من كل جهة لها علاقة بتلك المنشآت؟ ونبتعد عن تعقيد الأمور من أمامهم، ونفسح الطريق لهم، حتى تتكون لدينا منشآت متنوعة ما بين كبيرة ومتوسطة وصغيرة.
الناظر في مستقبل شبابنا والتخصصات التي يتجهون لها، يدرك تمام الإدراك أن التغيير سوف يكون صعباً وبطيئا جدا، فلماذا لا تتوسع الشركات الكبرى مثل سابك وأرامكو وغيرها، بافتتاح جامعات أو أكاديميات تخصصية ومهنية في مجالات العمل المتنوعة، تستوعب الشباب الراغب في تطوير نفسه وتُهيئهُ للدخول في الأعمال الحرة، شبابنا لا ينقصهم أي شيء عن شباب العالم المتقدم، فقط يريدون المساندة والدعم والتوجيه ومن ثم ينطلقون كل حسب تخصصه ورغبته.
الوطن بحاجة إلى سواعد أبنائه في أن يعملوا بالأعمال الحرة المتنوعة والمتاحة، فأغلب الأعمال الحرة والبسيطة يسيطر عليها الوافدون من خلال مساعدة بعض الجهلة لهم من بعض المواطنين، الذين يتسترون عليهم مقابل أموال زهيدة تُدفع لهم، فاحترام شرف المهنة هو بحد ذاته عمل وطني كبير، لأنه يحافظ على اقتصاديات ومدخرات الوطن من الانهيار أو الغش أو التدليس.
وفكرة مشروع «ميثاق شرف المهنة» فكرة جبارة لو تم تطبيقها تطبيقاً عملياً وصحيحاً، عبر إقرار استراتيجية كاملة تطبق في المدارس بدءا من المرحلة المتوسطة، لأن الطالب في هذه السن يبدأ يتأثر كثيراً خصوصاً أنه في مرحلة الإدراك، وهي مرحلة مهمة لتكريس مفهوم حب العمل بشكله الصحيح في أذهان الأبناء، ومن ثم المرحلة الثانوية، وبعدها المرحلة الجامعية، وتكون على طرق ومنهجيات مدروسة، يتخرج الطالب بعدها ولديه اهتمام واحترام لثقافة وأخلاقيات العمل، ومن هنا سوف نقضي على عدم احترام مهنة العمل، وسوف تساعدنا هذه الاستراتيجية أيضاً على القضاء على التستر نهائياً وعدم حدوثه، لأنه مع الأسف فإن التستر لا يوجد إلا لدينا في المملكة فقط، كما سوف تساعد الاستراتيجية على حب العمل وعدم التأخر أو الهروب أثناء ساعات العمل، وسيكون المتخرجون متسلحين بالعلم وحب العمل، ولديهم اهتمامات كثيرة، وهذه التجربة تم تنفيذها في كثير من البلدان أهمها اليابان، وقد أصبح لدى تلك الشعوب تقدير واحترام لمهنة العمل وثقافته وأخلاقياته.
ختاماً اقتصادنا الداخلي متين وقوي ويحتاج إلى وقفة شجاعة من أبناء الوطن للدخول في مضمار العمل الحر، وعدم إفساح المجال للوافد في أن يستفيد من مدخرات الوطن أكثر من ابن الوطن نفسه، والتضييق عليه من خلال منافسته بإثبات القدرات والإمكانات القوية لدى ابن الوطن.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٤٢٩) صفحة (١١) بتاريخ (٠٢-١١-٢٠١٥)