راجح ناصر البيشي

راجح ناصر البيشي

كان أحد طلابي مجتهداً ومثابراً منذ كان صغيراً حتى كبر الآن وأصبح شاباً يافعاً يتبوأ مركزاً وظيفياً مرموقاً إضافة لكونه يعمل مذيعاً ناجحاً في بعض القنوات الفضائية، قابلته مصادفة فألح علي أن يستضيفني للعشاء في أحد مطاعم جدة الشهيرة، وقد وافقته وأنا فخور به ومعتز بما وصل إليه ابني هذا وأقول ابني لأنني أعتبر جميع طلابي بمنزلة أبنائي وأسعد بذلك وأدعو لهم دائماً بالهداية والصلاح والفلاح، تناقشنا في بعض الأمور واسترجعنا ذكريات الدراسة وتجاذبنا أطراف الحديث وذكريات الماضي وعلوم الحاضر، وأثناء ذلك شعرت أنه يريد أن يقول شيئاً لكنه متردد، فسألته عن ذلك، فمكث بفكره غير بعيد ثم قال إنه يعاني من مشكلة تؤرقه في عمله، تلك المشكلة هي مضايقة بعض زملائه إياه في العمل، لأنه يحرص على أداء عمله بما يرضي الله مجاهداً نفسه ألا يكون هناك تقصير منه، ويكمل حديثه بأنه غير عابئ بما يسمعه من كلمات جارحة أو يراه من تسيب وإهمال من قِبل أغلب زملائه وترديدهم دائماً (خل إخلاصك ينفعك)، ومحاولتهم جذبه إليهم لينضم إلى قافلة التسيب والتسبب في تعطيل مصالح الناس وتسويفهم للمراجعين دون خوف من الله ودون خجل أو وجل من أنفسهم أو تقدير لرئيسهم في العمل الذي بسبب طيبته (طيبة في غير محلها) على حد تعبيره نتج عنه الإهمال والتسيب والضياع. وفي الحقيقة أن مثل هذا الشاب بارك الله فيه كثيرون ممن ينشدون الإخلاص ويحرصون عليه ويبحثون عن لقمة العيش الطيبة كي يأكلوا ويطعموا غيرهم مالاً حلالاً زلالاً مباركاً فيه، وفي المقابل هناك في الضفة الأخرى فريق هم أكثر إهمالاً وتسيباً تقشعر الأبدان من تصرفاتهم، متعالون وغير مبالين (الله يهديهم ولا يكثرهم). وبالتأكيد إن آفة الضمير الغائب من لدن رئيس العمل أو الموظف هي القشة التي تقصم ظهر البعير في كل مرة، إضافة إلى عدم وجود العقاب الصارم الذي هو اللغة الوحيدة التي يمكن أن يفهمها المتقاعسون والمتشدقون والمهملون في أعمالهم التي أوكلت إليهم وأصبحوا أوصياء على إنجاز مصالح الناس ويتقاضون على ذلك رواتبهم الشهرية، بل إن أحدهم لو نقص من راتبه ريال واحد لأقام الدنيا ولم يقعدها، وسيشتكي ويستنجد بالمظالم وحقوق الإنسان والتشكي في المجالس بأن له مظلمة يجب أن ترفع عنه، ولكن على قول المثل (من أمن العقاب أساء الأدب)، ونحن نقول (من ضعف إيمانه أضاع أعماله)، وبطبيعة الحال إن الموظف المخلص قد يجد التعب والجهد والمضايقات أحياناً من بعض زملائه والمراجعين، ولكن يقابل ذلك كسب المال الحلال الذي يأتي بعده بالتتابع البركة في الرزق والصلاح في الأبناء، وهل هناك أفضل من هذا؟! إنها ضريبة الإخلاص ويا لها من ضريبة مباركة! وما زلت أذكر زميلاً أحسبه مخلصاً والله حسيبه طلب التقاعد المبكر رغم أنه في نظري ما زال نشيطاً، إلا أنه قال: أشعر أن راتبي سيدخل فيه بعض الشوائب بسبب أنني لا أستطيع العمل كما كنت في السابق. أخيراً وليس بآخر، أقول لكل مخلص في عمله استمر مخلصاً ولا تعبأ بالمحبطين والمثبطين وأولهم شياطين الجن وثانيهم شياطين الإنس، وأطعم نفسك وأهلك مالاً حلالاً ودع عنك أذاهم والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً، وأختم بما كان يُذكر عن الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- أنه كان لا يستعمل أقلام ولا أوراق العمل في كتاباته الخاصة، حرصاً منه -رحمه الله- على الكسب الحلال، فما بالنا نحن وبعضنا يضيع أكثر الأوقات أثناء العمل فيما لا ينفع ويستعمل أغراض العمل في أموره الخاصة وكأنها ملكه الخاص.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٤٢٩) صفحة (١٠) بتاريخ (٠٢-١١-٢٠١٥)