سمر آل موسى

كم ألقيت سمعي لتلك المقولة «فاقد الشيء لا يعطيه»، وهي ترمي إلى أن الظاهر هو نفس الباطن لا يتضادان، ولا يختلفان، وأنه لا يمكن لإنسان أن يمنح شيئاً لا يملكه، وأبحرت أتفكر في حقيقة تلك المقولة، أهي قاعدةٌ سائدة، أم حالةٌ شاذة؟ وظَلِلت لا أحكم على صحتها من عدمها إلى أن عاينت بنفسي أحوالاً، وأشخاصاً، ذهلني منهم ما أثار مشاعري، وأجرى مداد قلمي.
وهنا أسرد إحداها، حين رأيتها، تلك الفتاة الجميلة المبتهجة، ترتدي من حُلي الثياب، تبتسم ابتسامةً يستحيل معها الشك بأنها زائفة، فبطبيعة عملها، تضحك، وتلاعب مَنْ حولها، ولا تُشعرك أبداً بحزنها، تحملك إلى السعادة والبهجة حملاً، حتى إن كنت جلفاً! فتوقن في نفسك أن ذلك هو حالها، وأنها سعيدةٌ في حياتها، ولكن في تلك الليلة، فتحت لي قلبها، وأخبرتني نزراً من أحوالها، وإذ بي أجد عالماً مضطرباً، وقلباً متألماً، ودمعةً حائرة، وكانت جُل أمنياتها، أن ترتاح من عملها، وتختلي ولو يوماً بنفسها، التي لا تجد متسعاً حتى للاختلاء بها، وإذ بي أستشعر في أعماقي ألمها، وأن تلك الابتسامات الساحرة ما هي إلا نهرٌ سرابٌ في أرضٍ يباب، فكيف يمنح الإنسان السعادة وهو لا يشعر بها، وكيف لذلك القلب الحزين الصغير أن يُعطي من الفرح شيئاً كثيراً دون أن يلامسه شعوره الحقيقي، فلابد أن ذلك القلب إما أنه يطوي نقاءً وصفاءً نادرين، أو أنه يهاب الحزن، فيهرب من وجهه قدر ما يستطيع، ويخفيه في جلباب بالٍ وضيع، ولقد رأيت من أحوال كثيرين ما فك لي شفرة تلك المقولة، فبدت لي أقرب للخطأ من الصواب، وعاتبت نفسي على إصدار أحكامٍ خاطئة على الصورة الظاهرة أشد العتاب، ففي كل الأحوال لا يمكننا أن نحكم على شخصٍ من ظاهره البتة، ولا نظن للحظة أن تلك الحال، التي رأيناه عليها، أياً كانت، دائمة، فربما ذلك الإنسان يهَبُ لغيره ما حُرمَ هو منه، فنكون قد أصدرنا حكماً خاطئاً، وظننا ظناً للحقيقة مخالفاً.
لعلك أيها القارئ الكريم عايشت شيئاً من هذا القبيل، أو رأيته في أحدٍ غيرك، فلا تصدّق الأمثال والأحوال على ظاهرها، وتفكّر في حقيقتها وباطنها، ولا يخدعنّك الظاهر كثيراً، فقد يطوي ما لا يتخيله عقلك. نعم، قد يعطي الإنسان ما فقده قلبه، وعدمتهُ حياته دون أن تعلم من ذلك شيئاً، فادرس نفوس الناس جيداً قبل أن تُصدر حكماً عليها لما تراه من سطحها باستدامة فرحها من عدمه، فيُخيَّل إليك أنها الفرحُ في عليائه، أو الحزن في ظلماته، واعلم أن مانح السعادة قد لا يملكها أحياناً، وبائع الحلوى قد لا يأكلها إلا نادراً، ومَنْ تلجأ إليه لينصحك، ويُذهب حزنك، قد يبيت حزيناً باكياً، وتلك المربية التي تحتضن جملةً من الأطفال قد تكون عقيماً، أو أنها أنجبت، ولا ترى صغيرها إلا قليلاً، وصاحب الابتسامة المشرقة قد يُشعرك بها، وهو لا يشعر بها، وتلك الشمس التي تمدنا بدفء شعاعها، وجميل إشراقها في سمائها، إنما هي تحترق من الداخل، وتذوب في حممٍ من البراكين، ففي كل تلك الحالات، وأكثر «فاقد الشيء يعطيه»، والظاهر ليس دليلاً على الباطن، فلا يغرّنك الظاهر السطحي فلكل شيءٍ باطنٌ مخفيٌّ لا تبصره عينك، ولا يلم به عقلك.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٤٣٠) صفحة (١٠) بتاريخ (٠٣-١١-٢٠١٥)