حمد الصالح

يبدأ الإنسان في مشواره التعليمي منذ أن يبلغ السادسة، فيبتدئ بتعلم القراءة والكتابة، ومن ثم يتعلم الأدب والحساب وتشكيلة من مختلف أنواع العلوم، حتى يبلغ الثامنة عشرة. وبعد ذلك يتخصص في دراسة شيء معين، وتسمى هذه المرحلة بالجامعية. تستمر هذه المرحلة في المتوسط حتى سن الرابعة والعشرين. تختلف توجهات الناس بعد ذلك، فمنهم من يواصل دراسته ومنهم من يبحث عن عمل، فيعمل الإنسان بعد ذلك حتى يبلغ الخمسين أو الستين من العمر!! مقالتي اليوم تبحث عن الفترة الزمنية المخصصة لكل إنسان ليختلي فيها مع ذاته. ليفكر أين هو من التغيرات المحيطة، وأين الهدف المراد الوصول إليه، وكيفية الوصول إليه. شخصياً، استلهمت فكرة هذا المقال من جلوسي الحالي من غير عمل وأحمل شهادة الماجستير في الإدارة العامة! تخرجت من الولايات المتحدة قبل خمسة أشهر، وحتى يومنا هذا لم تتصل أي شركة أو مؤسسة حكومية. فكرت بما أني أقضي شهورا من الفراغ العملي بأهدافي وحياتي. عملت على التخطيط لسنوات عمري، أقمت أياماً وأسابيع في العصف الذهني، كتبت عشر أفكار فعلية قابلة للتطبيق لمشاريعي التجارية المستقبلية وكيفية تمويلها، قرأتُ مايقارب العشرين كتاباً، أخذ الدكتور غازي القصيبي -رحمه الله- نصيب الأسد منهم. الآن وبعد مرور خمسة أشهر على التخرج، وقيد انتظار الوظيفة المناسبة، وصلتُ لخُلاصة وفائدة هي الأهم في حياتي، أيها الشبان والشابات المتخرجون العاطلون، ابحثوا بداخلكم عن ذاتكم، كلما طالت فترة انتظارنا لكسب عيشنا، ازدادت فرصتنا لقراءة المزيد من الكتب، لصلة أرحامنا، للخروج مع رفقائنا، للتفكير بأنفسنا ووضع خططنا على مهلٍ ورويّة، والكثير الكثير من الأعمال التي لن نجد لها وقتا، للالتفات لها أثناء التزامنا بأعمالنا. بدأتُ المقال بدورة الإنسان في التعليم والعمل، وأود الإشارة هنا إلى «إن لم ننتج الآن -نحن العاطلين- ذاتياً بالتفكير في المستقبل والقراءة بمنتهى الصفاء، فلن نجد وقتاً أصفى إلا بعد الخمسين وربما الستين».
ومضة: ذكرت مصطلح «الإنتاج الذاتي» وهو مايعني بأنك تعمل وتقرأ وتستزيد لنفسك أولاً، من غير التفكير بمناصب ونقود وغيرها. التغذية العقلية والنفسية لا تنقص أهمية عن التغذية الباطنية، فكلٌّ يحتاج إلى الغذاء ليعمل ويستقيم، إما كتاب وإما طعام، وإما الاثنان معاً.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٤٣١) صفحة (١٠) بتاريخ (٠٤-١١-٢٠١٥)