* لاشك أن معطيات الوضع التركي اليوم هي غير تلك التي كانت سائدة قبل أكثر من أربع سنوات، خصوصاً من حيث الانبهار الذي كان سائداً بالنموذج التركي بعد وصول حزب العدالة والتنمية لسدة السلطة بدءاً من العام 2002، وتحقيقه مكاسب فعلية للشعب التركي، ووضع الأحزاب المنافسة في زوايا لا تُحسد عليها

أسدل الستار على الانتخابات التشريعية التركية، التي انتظمت مطلع نوفمبر الجاري، وحصد فيها حزب العدالة والتنمية، الذي يتزعمه الرئيس رجب طيب أردوغان، أغلبية اقتربت من 50% «49.48%»، وحصد 316 مقعداً مقابل 258 مقعداً في الانتخابات التي جرت في 7 يونيو الماضي، ما مكَّنه من التفرد في تشكيل الحكومة الجديدة بعد خمسة أشهر من التعثر، الذي حصل بسبب عدم قدرة الحزب الحاكم على الحصول على الأغلبية المطلقة. وأمام حزب العدالة والتنمية أربع سنوات ليؤكد صدارته المشهد السياسي التركي، أو يتراجع لصالح خصومه السياسيين، وفي مقدمتهم حزب الشعب الجمهوري، الذي حصل على أكثر من 25% من أصوات الناخبين، وحصد 134 مقعداً. لقد تمكن حزب العدالة والتنمية من انتزاع 59 مقعداً من المعارضة التركية، خصوصاً حزب الحركة القومية، لترتفع حصته بما يؤهله لتشكيل الحكومة منفرداً حتى عام 2019.
في رد الفعل الأولي، صرح الرئيس التركي أن تركيا اختارت الوطنية والاستقرار، وبالتوازي نفذت الحكومة إجراءات أمنية لتقويض مفاصل خصمه اللدود فتح الله غولن، من خلال توقيف عشرات العناصر المحسوبة عليه، وفرض الوصاية بقرار قضائي على وسائل الإعلام التي تناصره، فيما توترت الأوضاع في جنوب شرق الأناضول ذي الأغلبية الكردية، ما يؤشر إلى أن العائد إلى السلطة بقوة ينوي ترتيب البيت الداخلي التركي وفق ما يراه حزب العدالة والتنمية.
لاشك في أن معطيات الوضع التركي اليوم هي غير تلك التي كانت سائدة قبل أكثر من أربع سنوات، إن من حيث الانبهار، الذي كان سائداً بالنموذج التركي بعد وصول حزب العدالة والتنمية لسدة السلطة بدءاً من العام 2002، وتحقيقه مكاسب فعلية للشعب التركي، ووضع الأحزاب المنافسة في زوايا لا تُحسد عليها، أو في علاقاته الخارجية، خصوصاً مع دول الجوار، حيث رفع شعار «صفر مشكلات مع الجيران»، ما مكَّنه من تحقيق تنمية اقتصادية لافتة في فترة وجيزة رغم فشله في إقناع الأقطاب الرئيسية في الاتحاد الأوروبي بالدخول في عضويته.
أمام تركيا العدالة والتنمية جملة من الاستحقاقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية على صعيد الداخل، فعلى الرغم من الحديث عن التنمية والنمو ومكافحة الفساد المالي والإداري إلا أن ثلاثة عشر عاماً من سيطرة الحزب على الحكومة كفيلة ببروز «دمامل الفساد»، التي تفجَّر بعضها في وجه أردوغان قبل انتخابات يونيو الماضي، بما في ذلك تنامي الحديث عن كلفة القصر الجديد، الذي بناه الرئيس التركي ليكون مقراً لإقامته، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن الواقع الاقتصادي يشي بأن تركيا تواجه استحقاقات الدين العام على الخزينة العامة، فوفق عديد من التقديرات والإحصاءات فإن الدين الخارجي كسر حاجز 500 مليار دولار، بينما تعاني أرقام الدين الداخلي من غموض وضبابية حول حقيقة حجمها، وهذا يتطلب برامج عمل اقتصادية ومالية قادرة على مواجهة أقساط الدين وخدمته، وقد بدأت بعض النتائج تطل برأسها مع تراجع سعر صرف الليرة التركية أمام العملات الأجنبية، حيث فقدت 18% من قيمتها، وسجلت انخفاضاً واضحاً أمام الدولار الأمريكي، لتصل في بعض مراحلها إلى 3 ليرات للدولار، بينما كانت أقل من ذلك بكثير قبيل حملة انتخابات يونيو، في حين ارتفعت نسبة البطالة لتصل إلى 9.6% في سبتمبر الماضي.
تقدم هذه المعطيات مؤشرات على تراجع الاقتصاد التركي بعد عام 2011، واشتعال الإقليم بأزمات أمنية وعسكرية واجتماعية، وطبيعة الدور الذي تلعبه أنقرة في هذه الأزمات، فقد أثرت هذه الأوضاع على التبادل التجاري بين تركيا ودول الجوار، بعضها سلباً وبعضها الآخر إيجاباً. ولمواجهة بعض الخسارة في التجارة الخارجية في العراق وسوريا، حرصت أنقرة على إعادة المياه إلى مجاريها مع الكيان الصهيوني بعد سنوات من توتر العلاقات على خلفية الهجوم على سفينة المساعدات التركية «مرمرة»، التي كانت تتجه إلى غزة، وأزمة سحب السفيرين، حيث شكلت لجنة بين تل أبيب وأنقرة بعد أن قدَّم رئيس الوزراء الصهيوني اعتذاره للرئيس رجب طيب أردوغان. وفي هذا السياق تسعى تل أبيب إلى حصد نتائج عودة العلاقات إلى الدرجة، التي يؤكد فيها المعلق السياسي الصهيوني شالوم بروشالمي بالقول «إن نتنياهو سيحقق انتصاراً كبيراً باستعادة العلاقات الكاملة مع الدول الإسلامية الثلاث: مصر، والأردن، وتركيا، وسيتمكن من التلويح بمحور إسلامي معتدل، والتعامل مع مبادرات سياسية أوروبية … صفقة مع تركيا ستمكِّن نتنياهو من بناء ألف وحدة استيطانية في مدينة معاليه أدوميم، وإرجاع حزب وزير الخارجية السابق أفيغدور ليبرمان إلى الائتلاف الحكومي». وتشير تقارير إلى أن التعاون بين البلدين عاد إلى وتيرته بسرعة، حيث وُقِّعت عشرات الاتفاقيات بين تركيا والكيان منها 60 اتفاقية عسكرية، وأن التبادل التجاري ارتفع من 4.2 مليار دولار في 2011 إلى 4.9 مليار دولار في 2013، وفق رئيس الغرفة التجارية في مدينة أزمير أكرم دميرطاش، الذي أكد أن إسرائيل من أهم عشرة شركاء تجاريين لتركيا.
إن عودة حزب العدالة والتنمية بقوة إلى سدة الحكم يترتب عليها تنفيذ البرامج، التي أفصح عن جزء منها خلال الحملة الانتخابية، ومع رفع العقوبات عن إيران ربما تدخل عملية التبادل التجاري بين طهران وأنقرة مرحلة جديدة لرفع معدل التبادل التجاري إلى 30 مليار دولار وفق تصريحات مسؤولين في البلدين. ولعل الوضع الاقتصادي الداخلي هو الامتحان الجديد لحزب العدالة، الذي يريد الإمساك بكل مفاصل العمل السياسي والاقتصادي في تركيا.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٤٣٣) صفحة (١١) بتاريخ (٠٦-١١-٢٠١٥)