مها العيسى

عندما نبحث عن سبب العدائية المتنامية في الروح الغربية الطامحة لتسيد العالم والنهوض على أنقاض الفقراء وسحق العالم الثالث بمخططات مبطنة نجد أن ذلك يعود في المقام الأول لافتقاد التخلق بالدين وغياب الإيمان بالله ورسالاته ضف عليه ثقافة احترام حقوق الآخر، هذا الغياب صنع سطوة الرجال وقمعيتهم للنساء والتحرر وامتهان الثقافة والمثقفين والطعن في إنتاجهم ووقفتها ضد طلب العلم الفلسفي والبحث عنه والرقي به ما جعل المفكرين والفلاسفة ملاحقين أو فارين هاربين من سطوتها الحادة حتى أصبح التحرر منها شيئا لا بد منه لخلق عقيدة تتيح الحريات بلا شرط أو قيد فجاءت عقيدة الليبرالية بما يتماشى مع عصر الحداثة والنهضة الغربية ولكن تلك الحداثة والنهضة الغربية المزعومة التي احتقرها شبنجلر أزفلد في العقل الغربي وسلوكه واصفا إياها بحضارة مظلمة مقبلة على الدمار للعالم فهل خلقت حقا فكرا واعيا وثقافة مستنيرة للفرد والمجتمع؟ لتخرج به من الانحلال المجتمعي المنغمس في الجنس والسكر وعالم الجريمة والمخدرات والشذوذ الذي جعل من أمريكا تتفنن في أشكال السجون المصنفة بالخطورة البالغة لعناصرها وكيف يتم القمع وتنوع أحكام الإعدام في حقهم! خاصة إذا ماعلمنا أن هذا المجتمع خرج من بؤر القمعية والثقافات المتعددة وممارسات فوقية عنصرية واضطهاد ما يسمى بالعبيد وممارسة أقسى أنواع الذل والإهانة في حقهم حتى فروا مهاجرين فاقدين الهوية والملاذ الآمن، وهذه الشعوب غير الشرعية (هوية) هي والشعوب الأصلية الآن في أمس الحاجة لإحلال الثقافة التنويرية لها وخلق بيئة ثقافية سليمة يرتكز عليها الفرد والمجتمع ليبني وينتج منظومة تكاملية تؤمن مستقبله وتأخذ بآرائه وترتقي به بعيدا عن التحوير والتضليل الذي يراه الغرب بمنظور الإزدراء والنقد في العالم العربي!!
الحقيقة تقول عكس ذلك تماما فالعقيدة الغربية الآن تعمل على نموذج سلطوي لكيان ملحمي لشخصية (الشيطان) كما عند ملتون، وهو نموذج اللعبة الخبيثة مابين النبل والشيطنة التي تتحدث عن البناء بلغة البندقية والسيطرة على العالم وتهميش الداخل للدولة المنحلة أخلاقيا وثقافيا وازدياد نسبة البطالة والجريمة وجاء الإعلام بكل فئاته بتدعيمها بالإضافة للسينما التي لا تخلو من الوحشية والدموية والسكر والمخدرات والجنس في كثير من مشاهدها مرورا بالإعلانات التجارية إلى أن تجاوزتها بكثير من خلال العلاقات المثلية التي كشفت عن كثير من تدني الأخلاق والانغماس في الانحلال حتى باتوا يرفعون أصواتهم منادين بجواز الارتباط فيما بينهم ولأن دولة مثل أمريكا تهتم بالسياسة الخارجية وعدم تعكير صفو مخططاتها بشؤون الداخل قامت بمباركة هذا الشذوذ المنكر لتطل علينا بثقافة جديدة تكونت وتخلقت على أرضها كغيرها من الشذوذ الفكري والسلوكي محاولة بذلك إقناعنا بأنها حريات شخصية وروابط مقدسة، لذلك نذهب إلى أن قوة الدول العظمى لم تكن ذات يوم في التعليم والتثقيف والتنوير والرقي بالمجتمع وتأصيله كثقافة متينة غاية في الأهمية مطلعة على الثقافات الأخرى بلا تدنيس ولا تدليس بل كانت في لغة السلاح وصنعه ودفع المليارات من الدولارات لتطويرها وسفك الدم بها وامتهان دول العالم الثالث والأديان والهيمنة اللا مستحقة على ثرواتهم ومستحقاتهم الشرعية ضمن مخططات فجة أطلقت عليها اسم (الفوضى الخلاقة!!) وهي الفوضى التي تهدم أكثر مما تبني خاصة إذا ما علمنا أن الحرب العالمية ولدت فقدان الثقة لجيل ما بعدها لذا خرج الحاكم والمحكوم عن الانضباط والتخلق بالقيم ضاربين بهما عرض الحائط، لذا نتساءل هل سيفيق يوما ما هذا المجتمع البائس ليضع حدا لتغييبه عن الواقع وتهميشه وغفلته عن أهم حقوقه وتوجيه صفعة لحكامه لوقف الحروب الطامعة بالسيطرة على العالم بلا وجه حق ووقف نزيفها؟؟ نرجو ذلك.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٤٣٤) صفحة (١٠) بتاريخ (٠٧-١١-٢٠١٥)