أ.د -محمد خليفة التميمي - المدير التنفيذي لجامعة المدينة العالمية

أ.د -محمد خليفة التميمي – المدير التنفيذي لجامعة المدينة العالمية

مشكلتنا الكؤود هي أن تعاملنا مع الأمور غير منضبط في كثير من الأحيان، مما يجعلنا أقرب للسلبية منا إلى الإيجابية فنحن من جعلنا من السيارة أداة قتل بينما هي وسيلة نقل، وفي ضوء الانفتاح التقني انقلبت أمورنا رأساً على عقب فليلنا نهار ونهارنا ليل وخصوصياتنا أصبحت متاحة بل ومباحة نستقبل ما هب ودب من غير وعي أو إدراك ولعلي ببعض الأمثلة أقرب الصورة أكثر لشرح بعض الانعكاسات السلبية من خلال تعاملاتنا اليومية مع الإنترنت وبالأخص مع وسائل التواصل الاجتماعي التي قربت البعيد ولكن بعدت القريب فالأسر تعاني من التباعد الذي سببته هذه الوسائل فلم يسلم من ذلك الكبير ولا الصغير فالجو الأُسَري الذي كنّا نعيشه في بيوتنا سابقاً حيث كنّا نتجاذب أطراف الحديث وكنا نمسك فيه بأطفالنا وهم يلعبون من حولنا ونتفاعل مع حركاتهم ونبادلهم اللعب مسايرة لنشاطهم الحركي المعهود فكان المجلس أو الصالة عبارة عن ساحة لقاء مفتوح، بخاصة إذا اجتمعت الأسر في نهاية الأسبوع أو المناسبات العامة، تبدل ذلك الحال فأصبحت ألسنتنا خرساء وأجسادنا خرسانات إسمنتية متصلبة برغم من اجتماعها في مكان واحد، ولم يعد للقائنا واجتماعنا طعم ولا لون ولا رائحة فهو عديم الخصائص، فهذا مع تويتر والآخر مع الفيسبوك والثالث مع اليوتيوب وغيرها وغيرها من وسائل التواصل حتى صغار السن ممن تجاوز عمرهم السنتين غرقوا معنا في هذا المستنقع وساروا سيرتنا وأصبحوا منافسينا لنا على ذات الأجهزة التي يتخطفونها من بين أيدنا ويخوضون بسببها معنا معركة شد وجذب يريدون أن يظفروا منها بمشهد أو مقطع مرئي ووجهتهم الرئيسية هي اليوتيوب ليتصلبوا أمامه محاكين جلستنا وطريقة إمساكنا بجهاز الجوال، فلم يعد هناك طعم لاجتمعاتنا ولم يعد لتقابل وجوهنا في ظل تباعد قلوبنا وانصراف أذهاننا فائدة تذكر، وبعض منا أصبح يميل إلى العزلة والانطواء وعدم مخالطة الناس، وانعكس الأمر حتى على العلاقات الزوجبة فاللحظات التي كان يجلس فيها الأزواج معاً لم تعد تلك المجالس الحميمية التي يجد فيها الزوج مع زوجه لحظة صفاء وعزلة عن المجتمع الخارجي فانقلبت إلى أجواء مخترقة في كل دقيقة وثانية من وقع رسالة واتسآب أو تغريدة تويتر أو مقطع على صفحة فيسبوك سرعان ما تسرق جو الصفاء ومتعة الجلوس وتشتت الأذهان ويتبعها فقدان المشاعر، فكم تدمرت وشائج الود وتقطعت علاقات الحب ليستبدل عنها بتواصل خارجي في أمور غالبها تافه أو ساقط أو لا يعنيك من قريب أو بعيد، حتى أيام الزواج الأولى التي هي قمة السعادة لدى الزوجين والرصيد الذي لا ينضب من المشاعر التي لا يطويها النسيان وتبقى محفورة في الذاكرة لم يعد لها ذاك البريق، فما إن يستعد الطرفان لبيت الزوجية إلا ويتسلحان لهذه اللحظة بأحدث الأجهزة وبأرقى الإصدارات من نسخ الجوال، وما يدري كل واحد من الزوجين أنه بذلك يدخل غريماً ومشاركاً لهما في حياتهما، وهذا الغريم لا يفارقهما حتى في مخدعهما فهو إما بجوار السرير أو تحت المخدة أو تحت اللحاف يعكر الصفو ويسرق الوقت ويجلب العزلة ويدمر العلاقة الزوجية من جميع جوانبها.
وتستمر مأساتنا بأننا أضعنا حقوق الآباء والأمهات وحرمناهم جلسة ينتظرونها بفارغ الصبر لكي يسمعوا منا ويسمعوننا ما تجول به خواطرهم، فما إن نتجاوز السلام عليهم والتموضع في أماكننا إلا ونسرع لإخراج أجهزتنا ونسبح في فضاءاتها هاربين من ذلك المجلس الذي سرعان ما يشعر الأب أو الأم أن الزيارة تحصيل حاصل ومجرد تسجيل حضور وانصراف دون تحقيق الهدف المرجو منها.
وما حالنا مع كتاب ربنا بأحسن مما عليه حالنا مع أهلينا وأسرنا ومجتمعاتنا فما من جهاز جوال إلا وحملنا فيه تطبيقاً أو أكثر للقرآن الكريم، ولكن مع ذلك فنحن نصبح ونمسي تلامس أناملنا تطبيقات مواقع التواصل الاجتماعي دون أن نخصص أو نقتطع بعض الوقت لقراءة آيات من كتاب الله عز وجل مع أننا لا يفصلنا عن ذلك سوى لمسة إصبع.
فكم ضيعنا من الأوقات وكم أضعنا حتى مصالحنا الدنيوية التي هي مصدر معاشنا وقوت يومنا بسبب هذا الإدمان الذي لازمنا، بل إن أجسادنا تشكو العلل بسبب طول مكثنا وفَرط متابعتنا فمن أوجاع الرقبة والمفاصل والأعصاب إلى القلق النفسي والعزلة والانطوائية والمشكلات النفسية الأخرى بل وحتى المشكلات الأسرية والاجتماعية والتربوية والأمنية والأخلاقية، وقد يتبع ذلك بعض الأمراض والمشكلات المزمنة التي يعاني منها من أصبح يرتاد العيادات والمستشفيات بحثاً عن علاج أو ما يخفف المعاناة.
ولعلي بهذه العبارات غطيت جوانب من صورة واقعية لا يلقى اللوم فيها بالمقام الأول على مواقع التواصل الاجتماعي، بل كما أشرت في المقدمة الأمر يعود إلى سلوكياتنا غير المنضبطة، وتعاملنا غير المسؤول، والحل في الغالب لهذه الإشكاليات التي نواجهها ينبع في المقام الأول من ذواتنا فنحن لم نقنن هذا التعامل، ولم نضعه في إطاره السليم، وجعلنا الأمر يتعدى التصرفات الفردية إلى الظاهرة الاجتماعية والتي أشبه ما تكون بسرطان يستشري في أوصالنا إلى أن وصلنا إلى ما وصلنا إليه، فهل لنا أن نتدارك أنفسنا بالتقنين والترشيد والضبط ومراعاة العوامل التي تحيط بنا.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٤٣٤) صفحة (١٠) بتاريخ (٠٧-١١-٢٠١٥)