يستهل الشاعر عبدالله الزرقوي قصيدته بكلمة «اتفكر» والتفكير يحرض العقل على التماهي في سبر أغوار القضايا، وكذا السباحة في بحر الخيال، وليثبت الإنسان وجوده، عليه بالتفكير، مثلما أشار الفيلسوف ديكارت في مقولته الشهيرة (أفكر إذن أنا موجود) ذهب تفكير الزرقوي في مناني رابعة، ويقصد بها الأمنيات التي ينشدها ويسعى لتحقيقها، وانثالت تلك الأماني في ليلة ربيعية يتسلل ضوء القمر من بين هالات السحاب كخيوط الفضة، فيما يخضب المكان أنسام البعيثران والريحان، فجاء حلمه بأن يكون شيخا كلمته نافذة ويكون رأيه مرجحا سيما وأن الشيخ وقتها يحظى وما زال بمكانة اجتماعية، ولما كانت هذه الأمنية يصعب عليه تحقيقها لأسباب يلخصها بأنها «جايرة وتعيبة»، حتى يكون شيخا مهيبا لابد أن يمتلك المال حتى يغدق منه في قرى الضيوف الكثر، ويحتاج إلى قوة الجسد وبلاغة الحديث مع وجود رجال يساندونه، فالشياخة ليست لبس مشلح أو ارتداء صديرية أو حمل خيزرانة، ولو كانت تلك لسهل شراؤها واقتناؤها، نكص عن هذا الحلم لينحو نحو التجارة، وتلك المهنة لا يمكن أن تقوم دون المال حتى يؤسس دكانا له بمبلغ لا يقل عن ألف ريال، وهذا مبلغ كبير جداً قياسا بالزمن الذي كان يعيشه، وحتى ينفك وجد أن ليست بتلك العيشة التي ينشدها بحجة غلاء البضائع وكسادها دون حركة البيع، هنا يستدرج ذاته نحو التخفي دون الظهور أمام الناس وينكشف حاله وضعف إمكاناته، وأيضا خوفه أن يكون أضحوكة بين أفراد جماعته وهذا ما لا يرضاه الشاعر على نفسه، واختصر موقفه بمثل شعبي دارج (التغبي ولا بداوة السوق)، ليصرف نظره عن حلم التجارة إلى مهنة تحتاج إلى قوة جسمانية، وهي بناء المنازل الحجرية، ليقدم صورة شعرية باهرة للذين يقومون ببناء وتشييد المنازل الحجرية.
«رحت لا ون للبناية ربشات وزهملة..
الثلاثة يقلعون الحيد والباني على المدماك»
هذا الوصف الدقيق لطريقة البناء وكأن كاميرا تلتقط المشهد، حيث يدفع الحماس البنائين لحث بعضهم بعضا بأصوات تارة منخفضة وأخرى مرتفعة، فيما يقف الباني على المدماك والآخرون يقلعون الحيد يقصد بها الحجارة الضخمة، التي تستخدم في بناء المنازل الحجرية، في مشهد متحرك وعندما اقترب منهم وجد أن عملهم فيه مشقة كبيرة، لحملهم الأحجار الكبيرة ورفعها فوق المدماك لإتمام البناء. جسمه النحيل وبنيته الضعيفة لا تساعدانه على امتهان هذه الحرفة، فيدير لها ظهره ويرتحل إلى مهنة سهلة وهي النجارة، إلا أنه يفشل لكونها تحتاج إلى مهارة يدوية وفكرية ليتجه للحياكة، وهي كذلك لها تبعاتها في تعرض الخياط إلى آلام في الظهر، وما كان منه إلا ملاحقة الخراف والمعز وتلك أيضا تحتاج إلى جلد وصبر، بعدها فكر أن ينحو إلى مهنة لا تحتاج إلى قوة جسمية، وأقرب شيء لذاته أن يصبح شاعرا لتنهال عليه القصائد كالبروق، مرات تسبب في هطول الشعر ومرات يحل بالذاكرة الجفاف دون تمكنه من إلقاء قصيدة واحدة، عندها دفعه حلمه لأن يكون فقيها وكانت المشكلة في وجود الجماعة بين لعب وسهو، لا يجدي معهم النصح والإرشاد، لتكون حرفة الزراعة مبتغاه، إلا أنها تحتاج أدوات يعرفها المزارع وتكون حاضرة له، وحين قرر حرث الأرض لم يجد الثور الذي يحرث به واللومة لعزق الأرض والغرب لرفع الماء من البئر، وكذلك الرشا والمقاط حبال مصنوعة من الجلد موصلة بالمحالة والدارجة وهي مصنوعة من الخشب على شكل بكرتين ضخمتين لتسهل للحبال انتزاع الغرب بالماء الذي في جوفه ليفرغه في قف البئر، ويسترسل في وصف الأدوات مثل المضامد والسهمان وهي من شجر العتم المعروف بصلابة خشبه والزرر لربط المضمد، والمسحاة والمحش، أفاض الشاعر في تقديم وصف مثير لاحتياجات المزارع، فالأحلام لا يمكن أن تتحقق دون وجود المتطلبات، ليعود مستذكرا حمى الحلم بما أسماها رابعة، لتأخذه من بعد صلاة العشاء حتى الصباح، فكلما ذهب حلمه إلى أمنية يريدها انزاح، وهكذا مر على كثير من المهن التي لا يستطيع مجاراتها لتنطفئ جذوة الفرح ويجدف بمجداف مكسور في بحر متلاطم من الأحلام التي انتثرت عليه، فكلما اكتمل بناء الحلم تقوض، ليصبح رمادا، إنه حلم الزرقوي الذي عاشه قبل مائة عام..

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٤٣٦) صفحة (١٠) بتاريخ (٠٩-١١-٢٠١٥)