ياسر صالح البهيجان

ياسر صالح البهيجان

حالة التوجُّس تجاه المرأة في مجتمعنا من أشخاص معينين لا يمكنها أن تصنع إلا مجتمعاً مأزوماً، ومملوءاً بالشكوك، وتنطلق تلك الأزمة من النظرة القاصرة، التي لا ترى في الأنثى إلا جسداً، ولا تملُّ تلك الفئة المذكورة آنفاً من تقديم «الشواهد المعوِّقة»، سعياً إلى الانتقاص من كيان المرأة، والتقليل من قيمة عقلها، ومساواته بعقل الطفل، «ليَّاً لأعناق النصوص الدينية»، وانتقاءً لأكثر مظاهر الثقافة تطرفاً وإقصاءً للنساء.
النظرة الدونية للمرأة في مجتمعنا لاتزال موجودة بيننا، إن أردنا مكاشفة أنفسنا، وترك عادة «دسّ الرؤوس في التراب»، ونحن نرى أن الأصوات النشاز تتعالى عندما تدرس الجهات العليا أي قرارات تفرض قوانين لحماية المرأة، وآخرها إجهاض مشروع قانون مكافحة التحرش الجنسي، إلى جانب الخطاب التحريضي الموجَّه للمجتمع، وحثه على عدم ترشيح النساء، اللواتي تقدمن لشغل مقاعد في المجالس البلدية.
علينا ألا نستغرب من انتشار حالات الابتزاز في مجتمعنا ما دامت الثقافة الذكورية تبرِّر للرجل، وتمنحه حقوقاً غير مشروعة عبر خطابها العدائي، الذي لا يكف عن إلقاء اللوم على الأنثى، ويُنصِّب لها تمثالاً مشوَّهاً، يحطُّ من قيمتها الإنسانية، ويحرمها من حقها الوجودي بصفتها مكوناً رئيسياً من مكوِّنات المجتمع.
علينا ألا نتفاجأ من عزوف الشباب عن الزواج، ووجود أكثر من أربعة ملايين فتاة «عانس» في ظل انتشار ثقافة الشك والتعامل مع المرأة بوصفها جسداً، يمكن الاستغناء عنه، متناسين بأنها هي السكن والراحة والطمأنينة بناءً على نصوص شرعية، ودراسات علمية، واحتياجات فيسيولوجية.
علينا ألا نُفجع من عدد القضايا المنظورة في المحاكم، المتصلة بأمور الخيانات الزوجية، في حال كانت حقوق المرأة محصورة في المأكل والمشرب مع انتشار مفاهيم خاطئة، تفسر مبدأ «القوامة» على أنه حق يتيح الضرب والعنف بكافة أشكاله.
الثقافة الذكورية لا يمكنها أن تنصف المرأة حتى لو ادَّعت علانية بأن مشروعها ليس ظلامياً، لأنها تمارس عملية ظلم ضد الأنثى دون أن تشعر بعد أن اعتادت لقرون طويلة على معاملتها على أنها متاع، في حين أنها إنسانة كاملة الأهلية، ما يفرض أن تتولى المرأة بنفسها تحديد شؤونها، ووضع القوانين التي تكفل حقوقها، بدلاً من الاعتماد على اجتهادات أشبه بالفردية، تتصدى لها فئة ذات مرجعية فكرية واحدة، لا تُنتج إلا ما يسهم في تعقيد المسائل الاجتماعية أكثر فأكثر في ظل ما تعانيه من أزمات فكرية.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٤٣٧) صفحة (١٠) بتاريخ (١٠-١١-٢٠١٥)